عرضت السورة القصة في اثنتي عشرة آية بأسلوب البرق الخاطف: نداء بالوادي المقدس، وأمر بالذهاب إلى الطاغية، ودعوة بأرفق عبارة، وآية كبرى، ثم تكذيب وإدبار وحشر ودعوى الربوبية، ثم أخذ إلهي جامع بين نكال الدنيا والآخرة.
الطامة الكبرى وافتراق الخلق إلى فريقين.
من طغى وآثر الحياة الدنيا فمأواه الجحيم، ومن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فمأواه الجنة؛ وهو ميزان دقيق يجعل مدار النجاة على خوف المقام وجهاد الهوى.
بيان أن الداعية مبلّغ لا موكل بإجبار القلوب: {وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ}؛ فلا يحمله الحرص على إسلام الكبراء على تقديمهم على أهل الإقبال والافتقار.
افتتحت السورة بمشهد السماء وهي تنشق ثم تُصغي وتنقاد لأمر ربها، والأرض وهي تُمدّ وتُلقي ما في جوفها ثم تُصغي وتنقاد؛ فوقع هذا المشهد الحسي مقدمةً لخطاب الإنسان الجاحد، ليُقرَّر عليه أن الأجرام العظام تُسلّم لأمر خالقها، فما عذر النطفة المهينة إذا أبت وتكبّرت.
{سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى}؛ فالخشية مفتاح الانتفاع، والشقاء سبب الإعراض؛ ثم بُيّن مآل كل فريق: نار كبرى لا موت فيها ولا حياة، وفلاح لمن تزكّى وذكر اسم ربه فصلّى.
انتقلت السورة نقلة مباغتة من صخب الدنيا إلى دك الأرض ومجيء الرب سبحانه والملائكة صفوفاً والإتيان بجهنم؛ ليقع التذكر حين لا ينفع التذكر: {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ}، وتنطلق الحسرة الكبرى: {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}.
غرور بالقوة {أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ}، وغرور بالخفاء {أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ}؛ فالأول يظن أن لا سلطان فوقه، والثاني يظن أن لا عين ترقبه؛ فأبطلت السورة الظنين معاً.
{كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا}؛ فالباء للسببية، والمعنى أن حاملهم على تكذيب رسولهم كان مجاوزتهم الحد في العتو لا قصور الحجة عندهم؛ وهذا كشف لجذر الكفر النفسي، لا مجرد إخبار تاريخي.
السورة في جملتها تأسيس لقاعدة تربوية عامة: أن الإمساك الإلهي إعداد لا إعراض، وأن انقطاع المألوف من العطاء تهيئة لعطاء أكبر؛ وهي القاعدة التي يعيش بها كل مبتلى وكل داعية أصابته فترة.
قُرن الأمر بالقراءة مباشرة بذكر أصل الإنسان {مِنْ عَلَقٍ}؛ فأول ما يُعلَّمه الإنسان أن الذي يرفعه بالعلم هو الذي أنشأه من دم متعلق؛ وفي هذا القرن حصانة مبكرة من الغرور بالعلم.
من كان شأنه حطم الأعراض جُوزي بـ«الحطمة»؛ ومن كانت جنايته صادرة عن فؤاد ممتلئ بالكبر جُوزي بنار {تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ}؛ ومن جمع وعدّد وأحصى جُوزي بأن يُنبذ نبذ الشيء المستحقر.