انفردت الآية (31) بأن جعلت العدد المذكور محكَّاً تُمتحن به القلوب: فتنةً للكافرين، واستيقاناً لأهل الكتاب، وزيادة إيمان للمؤمنين، ورفعاً للريب، وسبباً لقول أهل المرض والكفر: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً ۙ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ۙ وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ۙ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ} في جملتها المعترضة. ثم خُتمت بأصل جامع: أن جنود الرب لا يعلمها إلا هو، وأن هذا كله ذكرى للبشر.
الصبر لحكم الرب، وعدم طاعة آثم أو كفور، وذكر الله بكرة وأصيلاً وسجود بالليل وتسبيح طويل؛ فهو المنهاج نفسه الذي رُسم في سورة المزمل.
{نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ ۖ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا}؛ فمن أحكم خلقهم قادر على استبدالهم.
عرض القرآن تسع آيات كونية ونعم حسية مشهودة وملموسة تقطع دابر الشك في قدرة الخالق: - جعل الأرض مهاداً ممهدة للاستقرار والمعاش. - نصب الجبال أوتاداً لتثبيت قشرة الأرض. - خلق الأزواج ذكوراً وإناثاً لامتداد النسل والأنس. - جعل النوم سباتاً لراحة الأجساد وسكونها. - جعل الليل لباساً ساتراً والنهار معاشاً للحركة والكسب. - بناء سبع سموات شداد محكمة البناء. - جعل الشمس سراجاً وهاجاً يفيض بالضياء والدفء والطاقة. - إنزال الماء الثجاج من السحاب المعصرات لإخراج الحبوب والنباتات والجنات الملتفة. فالذي قدر على إنشاء هذا العالم الباهر وإحياء موات الأرض بالماء، قادر بلا ريب على إحياء الأجساد البالية وبعثها للحساب.
افتتحت السورة بكلمة {وَيْلٌ} — وهي أشد كلمات الوعيد — على من يبخس في الكيل والوزن شيئاً طفيفاً؛ فإذا كان هذا في الطفيف، فما الظن بالكثير؟ وفي هذا تأسيس لقاعدة أن الشريعة تسدّ باب الظلم من أضيق مداخله.
افتتحت السورة بالقسم بالسماء ذات المنازل المحكمة، وباليوم الموعود، وبشاهد ومشهود؛ فجمع القسم بين آية الإحكام في الكون، وموعد الفصل في الآخرة، وحضور الشهادة على العمل؛ وهذه الثلاثة هي أركان الجواب الذي بُنيت عليه السورة.
حكم الفريقين في الآخرة، وعرض باب التوبة قبل فوات الأوان.
{فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ}؛ فليس عليه هداية القلوب ولا حمل الناس على الإيمان، وإنما عليه البلاغ والتذكير؛ وفي هذا تخفيف عنه وتحديد لحدود المسؤولية.
{إِنَّ هَٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ}؛ فما قررته السورة من التزكية وترجيح الآخرة أصل ثابت في كل وحي، لا دعوى مستحدثة ولا شريعة طارئة.
حدود وظيفة الرسول ﷺ ومرجع الخلق إلى الله.
عرض القرآن ثلاثة نماذج متدرجة من الطغيان: عاد وقوتها في الأجساد والبنيان، وثمود وبراعتها في نحت الصخر واستيثاق المساكن، وفرعون وسلطانه المؤيد بالأوتاد؛ فاستوعبت هذه النماذج صور القوة الثلاث: قوة البدن، وقوة الصنعة، وقوة الملك. ثم جمعها كلها في وصف واحد: {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ}، وختمها بحكم واحد: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ}.
لم يترك القرآن الدعوى مجردة، بل عيّن أربع علامات عملية تفضح صاحب الميزان الفاسد: ترك إكرام اليتيم، وترك التحاض على طعام المسكين، وأكل الميراث أكلاً جامعاً لا يفرق بين حلال وحرام، وحب المال حباً مفرطاً مستحوذاً. فربط الاعتقاد الخاطئ بسلوك ظاهر يُقاس به.
أقسم سبحانه بالبلد الحرام، ثم بحال النبي ﷺ فيه، ثم بالوالد وما ولد؛ فجمع بين شرف المكان وشرف الإنسان؛ لتكون هذه المقسمات مقدمة لقضية السورة في شأن هذا الإنسان الذي كرّمه ثم كلّفه.
باشر العقر واحد وأُسند إلى الجميع {فَعَقَرُوهَا}؛ لأنهم رضوا وتابعوا وأغروا؛ فتقرر أن الرضا بالمنكر يُلحق الراضي بالفاعل في الحكم والجزاء.
خُتمت السورة بـ {وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا}؛ فالله سبحانه لا يستبقي في العقوبة كما يستبقي الملوك خوف عاقبة، لأنه عادل في حكمه لا يُسأل عما يفعل.
أقسم الله بالليل إذا يغشى، وبالنهار إذا تجلى، وبخلق الذكر والأنثى؛ فانتقل من ثنائية الزمان إلى ثنائية النوع؛ وكلها مخلوقات متضادة الأوصاف مؤتلفة في الحكمة، صادرة عن مدبر واحد. فكان القسم بها حجةً على المقسَم عليه لا مجرد تعظيم؛ إذ من جعل الليل ضد النهار والذكر ضد الأنثى هو الذي جعل السعي أضداداً.
{وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ * وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ * وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ}؛ فرسمت السورة صورة الإخلاص في أدق حدودها: بذلٌ لا يقصد به مكافأة يد سابقة، ولا استجلاب يد لاحقة، ولا حظاً من ثناء؛ وإنما ابتغاء وجه الرب الأعلى وحده. ثم ختمت بأوسع وعد وأرقّه: {وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ}.
إلزام المكذب وتقرير كمال الحكم.
{أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ}؛ فرُدّ الأمر إلى برهان عقلي جامع: أن حكمة الحاكم تأبى التسوية بين من أحسن ومن أساء؛ فإثبات الجزاء لازم لإثبات الحكمة.
{وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} حكم يقطع أن أسباب الخلاف في الأمم السابقة لم تكن قصوراً في الدليل، بل حسداً وطلباً للرياسة بعد وضوح الحق.
نُسب الكنود إلى جنس الإنسان لا إلى فرد بعينه؛ فالسورة تشخّص طبعاً غالباً في النوع يُعالَج بالإيمان ويُغلَب بالمجاهدة، لا تُصدر حكماً على معيّن.
انتقلت السورة من المشهد الكوني إلى الحكم الفردي: {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ}، {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ}؛ فلم يُذكر حسب ولا مال ولا جاه؛ بل رجحان كفة أو خفتها.
عرضت السورة سلماً معرفياً محكماً: «سوف تعلمون» علم بالخبر، ثم «علم اليقين» علم بالاستدلال، ثم «عين اليقين» علم بالمشاهدة؛ فبيّنت أن الحجة قائمة في المرتبة الأولى، وأن التأخر إلى المرتبة الثالثة تأخر إلى حيث لا ينفع العلم.
جاء الحكم على {الْإِنسَانَ} معرّفاً بالألف واللام الجنسية، مؤكداً بـ {إِنَّ} وباللام الداخلة على الخبر؛ فاجتمع في الجملة ثلاثة مؤكدات على أعم لفظ؛ ليستقر في النفس أن الأصل في الإنسان الخسارة حتى يثبت خلافها بالأركان الأربعة.
جواب القسم بالحكم العام.
انحصرت أسباب النجاة في أربعة، جاءت مرتبة ترتيباً منطقياً محكماً: تصحيح المعتقد، ثم تصديقه بالعمل، ثم تعدية النفع إلى الغير بالتواصي بالحق، ثم حماية المشروع كله بالتواصي بالصبر؛ فلا يقوم لاحقها إلا على سابقها.
صُدّرت السورة بـ{وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ}؛ فجاء الحكم معلقاً باسم مشتق يدل على التكرار والاعتياد، ومسبوقاً بأداة استغراق؛ فصار قانوناً عاماً لا واقعة عين.
ختمت السورة بـ{إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ}؛ فقابلت الخلود الموهوم في الدنيا بإطباق حقيقي في الآخرة؛ فمن طلب البقاء من غير بابه أُعطي بقاءً هو عين ما كان يفرّ منه.
الحكم على المبغض بالانقطاع.
نُودوا بـ{الْكَافِرُونَ}؛ وهو نداء يحمل الحكم قبل الكلام؛ فلا يبقى بعده لبس في موقع المخاطب من الحق؛ وهذا مقتضى وضوح الدعوة في مقام العرض النهائي.
لو كانت الدعوة مبنية على عصبية أو طلب سؤدد لكان أولى الناس بالمداراة عمَّ الداعي وسيداً من سادات قومه؛ فلما نزل الوحي بحكمٍ عليه لا يُداهن، سقطت التهمة قبل أن تُقال.
إصدار الحكم بالخسران، ثم نفي كل ما يُتوهم أنه يدفعه عن صاحبه، ثم بيان المآل.
لم تُفرَد المرأة بحكم مستأنف بل عُطفت على زوجها في المصير؛ لأنها كانت شريكته في الفعل؛ فتقرر أن المعاونة على الإثم توجب الاشتراك في تبعته.