صُدّرت السورة بإخبار أن ما في السموات والأرض في تسبيح دائم متجدد، ووُصف الله فيها بأربعة أوصاف متتابعة: الملك القدوس العزيز الحكيم؛ فاجتمع فيها بيان الملك التام والتنزيه المطلق والقوة الغالبة والتدبير المحكم.
الأمر بالسعي إلى ذكر الله عند النداء، وترك البيع، ثم الإذن بالانتشار في الأرض وابتغاء الفضل بعد قضاء الصلاة، مع الأمر بكثرة الذكر في أثناء ذلك؛ فجمعت الآيتان بين حق الله وحق المعاش.
{لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا}؛ ثم الرد بأن خزائن السموات والأرض لله؛ فقُطع سلاحهم من أصله.
افتتحت السورة بتسبيح ما في السماوات والأرض، وحصر الملك والحمد في الله، وعموم قدرته؛ فقُرّرت أصول العقيدة الثلاثة: التنزيه، والملك، والحمد، ليُبنى عليها ما بعدها من التكليف والجزاء.
{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ}، {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}؛ فمن خلق بالحق لا يترك خلقه سدى، ومن أحاط علماً لا يعجزه إحصاء الأعمال.
فتنة الأزواج والأولاد والأموال، والوصايا الجامعة، وختم بالأسماء الحسنى.
التقوى بحسب الوسع، والسمع والطاعة، والإنفاق، والنجاة من شح النفس، وإقراض الله قرضاً حسناً؛ ثم الختم بأربعة أسماء جامعة: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.
منّة إرسال الرسول التالي للآيات، وعظمة الخلق وإحاطة العلم.
ذكر الرسول التالي للآيات المبينات المخرج من الظلمات إلى النور، ثم خلق السبع السماوات وما يقابلها من الأرض، وتنزّل الأمر بينهن؛ ليُعلم أن هذه الأحكام صادرة عمن أحاط بكل شيء علماً.
افتُتحت السورة بحصر الملك في يده سبحانه، وخُتمت بأربع تحدّيات متتابعة تسلب من الخلق ما توهموه من نصرة ورزق وأمنٍ وماء؛ فما بين المطلع والخاتمة تقريرٌ واحد: ليس بيد أحد سواه شيء.
تقرير الملك والقدرة، وغاية الخلق، وبرهان إتقان السماء.
عرضت السورة برهان السموات السبع الطباق التي لا تفاوت فيها ولا فطور، وبرهان المصابيح المزيّنة الراجمة، وبرهان الأرض المذللة الممهدة، وبرهان الطير الصافّات القابضات؛ وهي براهين حسّية يراها المكابر بعينه فلا يجد لها دفعاً.
جزاء الخاشين بالغيب، وإحاطة العلم، وتذليل الأرض.
من الحلف والمهانة والهمز والنميمة ومنع الخير والاعتداء والإثم والغلظة والدَّعوة في النسب؛ وهي صفات تكشف أن التكذيب ليس موقفاً عقلياً بل ثمرة خلق فاسد.
نفخة واحدة تكفي لانهيار البناء كله: حمل الأرض والجبال ودكّهما دكة واحدة، ووقوع الواقعة، وانشقاق السماء حتى تصير واهية، وقيام الملائكة على أرجائها، وحمل ثمانية للعرش فوقهم. فالبناء الذي بُني بكلمة يُنقض بنفخة، وذلك أهون في حق القدرة من الابتداء.
{يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ}؛ ثم قُسّم الناس بأسلوب «أمّا... وأمّا» قسمة حاسمة لا ثالث لها: آخذ كتابه بيمينه يهتف بالبشرى {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ}، وآخذ كتابه بشماله يتمنى العدم {يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ}. وعُلّل عذاب الثاني بعلتين لا ثالثة لهما في السياق: خلل في حق الله {إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ}، وخلل في حق الخلق {وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ}.
مقطع {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا} إلى {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} يقطع دابر الطمع الكاذب في الجنة بغير إيمان، ويذكّرهم بأصل خلقهم من ماء مهين، ثم يقسم بربّ المشارق والمغارب على القدرة على استبدالهم بخير منهم، وهو أشد ما يُقرع به المستكبر: أنه ليس بضروري في ملك الله.
افتُتحت السورة بأن الإرسال كان {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}؛ فالعذاب لا ينزل بأمة إلا بعد إعذار وإنذار؛ وهذا أصل في عدل الله تعالى مع خلقه.
ربطت السورة بين الاستغفار وبين إرسال المطر مدراراً، وإمداد الأموال والبنين، وإنشاء الجنات والأنهار؛ فقررت أن للذنوب أثراً في قحط الأرض وضيق المعاش كما لها أثر في عذاب الآخرة.
ساقت السورة سلسلة من البراهين المتدرجة من الأقرب إلى الأبعد ثم العود إلى الأقرب: خلق الإنسان أطواراً، ثم السماوات السبع طباقاً، ثم القمر نوراً والشمس سراجاً، ثم الإنبات من الأرض، ثم البعث منها، ثم بسط الأرض وتيسير سبلها؛ فتكامل البرهان من النفس إلى الأفق إلى المعاد إلى المعاش.
عمدت السورة إلى نقل كلام الجن بلفظه لا بمعناه؛ فجاءت الشهادة من طائفة لا يُتهمون بمجاملة النبي ﷺ ولا بموالاته، بل كانوا قبلُ خصوماً للوحي مستمعين للسماء؛ فكانت شهادتهم أقوى في الحجاج على قريش من شهادة من آمن من قومهم.
أخبرت السورة أن السماء مُلئت حرساً شديداً وشهباً، وأن مقاعد السمع صارت مرصودة؛ فسدّت باب الكهانة من أصله، وقطعت دعوى من زعم أن القرآن من إلقاء الشياطين؛ إذ الطريق نفسه مقطوع.
الأنكال والجحيم والطعام ذو الغصة والعذاب الأليم، ثم مشهد رجفة الأرض وصيرورة الجبال كثيباً مهيلاً، ثم اليوم الذي يجعل الولدان شيباً وتنفطر به السماء.
انتقل السياق من التقرير الكلي إلى نموذج حي مفصَّل: رجل خلقه الله وحيداً فرداً لا مال له ولا ولد، ثم بسط له المال الممدود والبنين الشهود والجاه الممهَّد، فقابل النعمة بالعناد. وقد أطبق المفسرون على أن المراد به الوليد بن المغيرة المخزومي؛ ذكر ذلك ابن أبي حاتم في تفسيره عن سعيد بن جبير، ونصَّ عليه الطبري وابن كثير والقرطبي عند تفسير هذه الآيات. وعُرض في الآيات (18 - 25) سُلَّم مكابرته درجةً درجةً بـ"ثم": فكَّر، فقدَّر، فنظر، فعبس، فبسر، فأدبر، فاستكبر، فنطق بالكلمة الآثمة.
أقسم الله بالقمر والليل إذ أدبر والصبح إذا أسفر على أن سقر لإحدى الكبر، نذيراً للبشر؛ ثم قرَّر قاعدة الجزاء الفردي: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}، واستثنى أصحاب اليمين، وعقد بين أهل الجنة والمجرمين حواراً كاشفاً عن أسباب الهلاك الأربعة: ترك الصلاة، ومنع الطعام عن المسكين، والخوض مع الخائضين، والتكذيب بيوم الدين.
بَرَق البصر وحيرته، وخسوف القمر وذهاب ضوئه، وجمع الشمس والقمر بعد افتراق دائم؛ ثم صرخة الإنسان: {أَيْنَ الْمَفَرُّ}، والجواب القاطع: {كَلَّا لَا وَزَرَ * إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ}.
{نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ ۖ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا}؛ فمن أحكم خلقهم قادر على استبدالهم.
طمس النجوم، وفرج السماء، ونسف الجبال، وتأقيت الرسل؛ أربعة مشاهد تنتقل من انطفاء النور إلى انشقاق السقف إلى تفتت الرواسي إلى جمع الشهود؛ ثم يأتي السؤال المهول {لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ} وجوابه {لِيَوْمِ الْفَصْلِ}.
مسلك التاريخ ({أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ * ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ})، ومسلك النفس ({أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ})، ومسلك الأرض ({أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا})؛ فمن أهلك وأنشأ ومهّد فهو على الإعادة أقدر.
برهان الأرض الكفات ونعم الاستقرار والسقيا.
عرض القرآن تسع آيات كونية ونعم حسية مشهودة وملموسة تقطع دابر الشك في قدرة الخالق: - جعل الأرض مهاداً ممهدة للاستقرار والمعاش. - نصب الجبال أوتاداً لتثبيت قشرة الأرض. - خلق الأزواج ذكوراً وإناثاً لامتداد النسل والأنس. - جعل النوم سباتاً لراحة الأجساد وسكونها. - جعل الليل لباساً ساتراً والنهار معاشاً للحركة والكسب. - بناء سبع سموات شداد محكمة البناء. - جعل الشمس سراجاً وهاجاً يفيض بالضياء والدفء والطاقة. - إنزال الماء الثجاج من السحاب المعصرات لإخراج الحبوب والنباتات والجنات الملتفة. فالذي قدر على إنشاء هذا العالم الباهر وإحياء موات الأرض بالماء، قادر بلا ريب على إحياء الأجساد البالية وبعثها للحساب.
بيان أن ليوم القيامة موعداً مؤقتاً محدداً لا يتقدم ولا يتأخر: {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا}؛ وتصوير النفخ في الصور، ومجيء الخلائق أفواجاً، وانفتاح أبواب السماء، وتسيير الجبال حتى تصير سراباً.
تصوير مفاز المتقين بالحدائق والأعناب، والكواعب الأتراب، والكؤوس الدهاق، والنعيم الخالص من اللغو والكذاب، جزاءً وعطاءً حساباً من رب السموات والأرض الرحمن.
{يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ}؛ فالأولى نفخة الصعق التي ترتج لها الأرض والجبال، والثانية نفخة البعث التي تردف الأولى؛ وبينهما تنكسر قلوب المكذبين وجفاً وتخشع أبصارهم ذلاً.
الطامة الكبرى وافتراق الخلق إلى فريقين.
{أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ}؛ ثم تفصيل صنع السماء برفع سمكها وتسويتها وإغطاش ليلها وإخراج ضحاها، وصنع الأرض بدحوها وإخراج مائها ومرعاها وإرساء جبالها؛ وختم ذلك بلفتة الامتنان: {مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}.
تقريع الإنسان الكفور وتذكيره بأطوار خلقه ومآله.
توجيه النظر إلى الطعام اليومي المألوف وسلسلة أسبابه من صبّ الماء وشقّ الأرض وإنبات الحبّ والعنب والقضب والزيتون والنخل والحدائق الغلب والفاكهة والأبّ؛ فالذي أحيا الأرض الميتة بالماء قادر على إحياء الأجساد بعد بلاها.
عرضت السورة اثنتي عشرة علامة مصدَّرة بـ {إِذَا} في نسق واحد لا يتخلله فاصل ولا استئناف؛ من تكوير الشمس وانكدار النجوم وتسيير الجبال، إلى تعطيل العشار وحشر الوحوش وتسجير البحار، إلى تزويج النفوس وسؤال الموءودة ونشر الصحف وكشط السماء وتسعير الجحيم وإزلاف الجنة. وهذا النسق المتصاعد يهيئ النفس لجواب واحد قصير خاطف: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ}.
مدار المقطع الأول أن كل ما كان مستوراً يومئذ ينكشف؛ فالصحف تُنشر بعد طيّها، والسماء تُكشط عن الأبصار، والموءودة تُسأل بعد سكوت الأرض عن دمها، والنفوس تُقرن بأشباهها بعد اختلاطها في الدنيا. فالقيامة يوم انكشاف قبل أن تكون يوم عذاب.