طمأنة النبي صلى الله عليه وسلم بالبشارة الإلهية العظيمة: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}، وتوجيهه إلى التسلح بالصبر الدائم وتسبيح بحمد ربه في أدبار الليل وإدبار النجوم.
المحاكمة العقلية الكبرى، تسلية النبي صلى الله عليه وسلم، وختام التسبيح*:
خاتمة السكينة والأمر بالصبر لحكم الرب، والبشارة بالمعية الإلهية الخاصة {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}، ومداومة التسبيح بحمد الله حين يقوم ومن الليل وإدبار النجوم.
القطب المقاصدي الحاكم لسورة القمر هو: **«الإنذار الحاسم بدنو القيامة وانخرام نواميس الكون عبر معجزة انشقاق القمر، وتعرية المكابرة النفسية للمكذبين، ومحاكمتهم بوقائع الاستئصال الصاعقة للأمم البائدة، مع إعلان التيسير الرباني للقرآن للذكر والاتعاظ، وتتويج ذلك ببيان قانون القدر الإلهي النافذ، وجزاء المجرمين في سقر والمتقين في مقعد صدق عند مليك مقتدر»**. ---
{فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ}.
افتُتحت السورة بتسبيح الكون كله لخالقه، ثم تتابعت صفات الجلال: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}، {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ}، {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ}؛ وهي مقدمة اعتقادية يُبنى عليها كل تكليف يأتي بعدها.
التسبيح الكوني وتقرير صفات الجلال والإحاطة.
افتتاح بالتسبيح، وعرض وقعة بني النضير وأسبابها ونتائجها.
نقلت السورة القضية من حادثة إلى أصل ممتد، فعرضت براءة إبراهيم ومن معه من قومهم ومعبوداتهم، مع استثناء دقيق في مسألة الاستغفار لأبيه، وختمت بدعائهم بالتوكل والإنابة.
افتتحت السورة بإخبار أن ما في السموات والأرض منقاد لله مسبح بحمده؛ فجاء التوبيخ بعده على من ينشز بقوله عن فعله؛ إذ كيف يشذ الإنسان بلسانه عن نظام كوني كله طاعة وانتظام.
التسبيح الكوني، وإنكار مخالفة القول للعمل، ومحبة الله للصف المتراص.
أذى بني إسرائيل لموسى وعيسى، وسنة الزيغ والإزاغة، والبشارة بأحمد، وحتمية ظهور الدين.
تسجيل شهادة عيسى عليه السلام بنبوة محمد ﷺ باسمه الصريح {اسْمُهُ أَحْمَدُ}؛ فهو تصديق سابق لاحق، وحجة على أهل الكتاب في إعراضهم، وربط بين حلقات الوحي في سلسلة واحدة.
صُدّرت السورة بإخبار أن ما في السموات والأرض في تسبيح دائم متجدد، ووُصف الله فيها بأربعة أوصاف متتابعة: الملك القدوس العزيز الحكيم؛ فاجتمع فيها بيان الملك التام والتنزيه المطلق والقوة الغالبة والتدبير المحكم.
التسبيح الكوني، والامتنان بالبعثة في الأميين ووظائفها الأربع، وامتداد الرسالة، وتقرير أن ذلك محض فضل.
الأمر بالسعي إلى ذكر الله عند النداء، وترك البيع، ثم الإذن بالانتشار في الأرض وابتغاء الفضل بعد قضاء الصلاة، مع الأمر بكثرة الذكر في أثناء ذلك؛ فجمعت الآيتان بين حق الله وحق المعاش.
إعراضهم عن الاستغفار، وحسم القول في مصيرهم، ووسائلهم في التخذيل، ودعواهم العزة.
{سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ}؛ فبيّن أن الشفاعة لا تنفع مع إصرار وامتناع عن التوبة؛ إذ لُوّيت رؤوسهم عن الدعوة إليها.
ختمت السورة بنداء المؤمنين ألا تلهيهم أموالهم وأولادهم عن ذكر الله، وبالأمر بالإنفاق قبل حضور الأجل؛ فكان علاج الداء في أصله: تعلق القلب بالمال الذي هو أول ما يفتح باب النفاق.
افتتحت السورة بتسبيح ما في السماوات والأرض، وحصر الملك والحمد في الله، وعموم قدرته؛ فقُرّرت أصول العقيدة الثلاثة: التنزيه، والملك، والحمد، ليُبنى عليها ما بعدها من التكليف والجزاء.
تقرير الربوبية والألوهية بالتسبيح والملك والحمد والقدرة والعلم.
ذكر الرسول التالي للآيات المبينات المخرج من الظلمات إلى النور، ثم خلق السبع السماوات وما يقابلها من الأرض، وتنزّل الأمر بينهن؛ ليُعلم أن هذه الأحكام صادرة عمن أحاط بكل شيء علماً.
النجاة في الجارية والغاية التربوية من إبقاء الذكرى.
انتهت السورة إلى {وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ}، وهي أرفع منازل العلم؛ ثم أعقبتها بالأمر بالتسبيح: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ}؛ فالعلم إذا تمّ ثمرته العبادة، والإنذار إذا أُدّي فراحة المنذِر في تسبيح ربه.
أهوال اليوم وانفراط العلائق وذكر لظى.
ربطت السورة بين الاستغفار وبين إرسال المطر مدراراً، وإمداد الأموال والبنين، وإنشاء الجنات والأنهار؛ فقررت أن للذنوب أثراً في قحط الأرض وضيق المعاش كما لها أثر في عذاب الآخرة.
بيّنت السورة أن الوثنية لم تبدأ بتعظيم الحجارة، بل بالغلو في الصالحين وتخليد ذكرهم بالتماثيل، ثم بطول العهد ودروس العلم صارت أوثاناً تُعبد؛ وهذه أدق آية في القرآن في تشريح ولادة الشرك.
ختمت السورة بدعائه لنفسه ووالديه ولمن دخل بيته مؤمناً وللمؤمنين والمؤمنات إلى يوم القيامة؛ فكان آخر ما نطق به في السورة استغفاراً لا لعناً، وسعةَ رحمةٍ لا ضيقَ صدر.
فرض قيام أكثر الليل أو نصفه أو ثلثه في أول الأمر، وتعليل ذلك تعليلاً صريحاً بقوله: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا}؛ فالليل هو ورشة صناعة الرجال، والقول الثقيل لا تحمله إلا نفس ثقّلها الذكر وربّاها السهر.
التخفيف بعد المشقة، وتقرير فرائض الأمة، والختم بالاستغفار.
تتابع الأوامر: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا}، ثم تقرير التوحيد: {رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا}؛ فالانقطاع إلى الله فرع عن معرفته، والتوكل عليه ثمرة توحيده.
ختم السورة بأطول آية فيها ترفع الحرج وتردّ الأمر إلى الميسور: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}، مع تعليل التخفيف بأعذار الأمة من مرض وسفر وجهاد، ثم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والقرض الحسن والاستغفار.
انتقل السياق من التقرير الكلي إلى نموذج حي مفصَّل: رجل خلقه الله وحيداً فرداً لا مال له ولا ولد، ثم بسط له المال الممدود والبنين الشهود والجاه الممهَّد، فقابل النعمة بالعناد. وقد أطبق المفسرون على أن المراد به الوليد بن المغيرة المخزومي؛ ذكر ذلك ابن أبي حاتم في تفسيره عن سعيد بن جبير، ونصَّ عليه الطبري وابن كثير والقرطبي عند تفسير هذه الآيات. وعُرض في الآيات (18 - 25) سُلَّم مكابرته درجةً درجةً بـ"ثم": فكَّر، فقدَّر، فنظر، فعبس، فبسر، فأدبر، فاستكبر، فنطق بالكلمة الآثمة.
انفردت الآية (31) بأن جعلت العدد المذكور محكَّاً تُمتحن به القلوب: فتنةً للكافرين، واستيقاناً لأهل الكتاب، وزيادة إيمان للمؤمنين، ورفعاً للريب، وسبباً لقول أهل المرض والكفر: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً ۙ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ۙ وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ۙ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ} في جملتها المعترضة. ثم خُتمت بأصل جامع: أن جنود الرب لا يعلمها إلا هو، وأن هذا كله ذكرى للبشر.
تصوير الإعراض، وكشف علته، والختم بالتذكرة والمشيئة.
عادت السورة في خاتمتها إلى ما بدأت به من الإنذار، فصوَّرت إعراض المكذبين تصويراً محسوساً بالحُمُر النافرة من الأسد، وكشفت عن دعواهم في طلب الصحف المنشَّرة، ثم ردَّت العلة إلى أصلها: {كَلَّا ۖ بَل لَّا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ}، وخُتمت بأن القرآن تذكرة، وأن الذكرى موقوفة على مشيئة الله، وأنه سبحانه أهل التقوى وأهل المغفرة.
افتتاح السورة بتقرير أن الإنسان مرّ عليه زمن لم يكن فيه شيئاً يُذكر؛ وهو مدخل يحطم الكبر من أساسه؛ إذ من كان أصله عدماً لا يليق به استكبار.
الصبر لحكم الرب، وعدم طاعة آثم أو كفور، وذكر الله بكرة وأصيلاً وسجود بالليل وتسبيح طويل؛ فهو المنهاج نفسه الذي رُسم في سورة المزمل.
افتتحت السورة بعتاب رباني لطيف في شأن الإعراض عن رجل أعمى فقير جاء يطلب العلم، والإقبال على صناديد مستغنين لا يرجى منهم إقبال؛ لتقرر أن ميزان القرب من الله هو الزكاة والتذكر والخشية، لا الغنى والحسب والوجاهة.
وصف الوحي بأنه تذكرة مبذولة لمن شاء، محفوظة {فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ}؛ فمَن أعرض عن هذا الشرف فقد بخس نفسه لا الوحي.