تقرير أن للفجار كتاباً مصيره {سِجِّينٍ}، وللأبرار كتاباً مصيره {عِلِّيِّينَ}، وكلاهما {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ}؛ فالأعمال محصاة مثبتة لا تضيع منها ذرة، وسجل الأبرار مشهود من الملأ الأعلى: {يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ}.
سجل الأبرار في عِلّيين، وتفصيل نعيمهم.
تقرير أن جحود المكذب ليس عن نظر وبرهان، بل عن صدأ تراكم على القلب من كسب المعاصي حتى غطّاه: {كَلَّا ۖ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}؛ فالمعصية تُعمي بصيرة صاحبها عن إدراك الحق.
من الأرائك والنظر، ونضرة الوجوه، والرحيق المختوم الذي ختامه مسك، والمزاج من تسنيم التي يشرب بها المقربون صرفاً؛ ثم تتويج ذلك بالدعوة إلى المنافسة المشروعة: {وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}.
تعريف المؤمن بربه، والاستشهاد بمصارع الجنود المكذبة.
{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ}؛ فانتقل من نموذج قديم مغمور الاسم إلى نموذجين مشهورين تعرفهما العرب: أعظم ملك مكذب، وأعتى قبيلة مكذبة؛ ليقاس حاضر قريش على ماضٍ يعرفونه.
أمر الإنسان أن ينظر في أصل تكوينه: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ}، فإذا تبين أنه خُلق من ماء مهين مندفق، لزمه أن يُقرّ بأن الذي أنشأه من ذلك الماء قادر على إعادته بعد بلاه: {إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ}؛ وهو برهان حسي لا يحتاج فيه المرء إلى غير نفسه.
القسم بالسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع على صدق القرآن وجديته.
{إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا}؛ فالمشركون يدبرون في الخفاء لإطفاء النور، والله يدبر لهم في الخفاء ما يجعل تدبيرهم وبالاً عليهم؛ وفي هذه الموازنة تثبيت للدعاة في كل عصر.
افتتحت السورة بالأمر بالتسبيح {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، ثم أتبعته بسلسلة من الأفعال الموصولة تبيّن موجب هذا التنزيه: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ}؛ فالتسبيح ههنا ثمرة نظر في سنن الله في خلقه، لا مجرد لفظ يُقال.
{سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى}؛ فالخشية مفتاح الانتفاع، والشقاء سبب الإعراض؛ ثم بُيّن مآل كل فريق: نار كبرى لا موت فيها ولا حياة، وفلاح لمن تزكّى وذكر اسم ربه فصلّى.
بدأت السورة باستفهام {هَلْ أَتَاكَ} يهيئ النفس لخبر عظيم ويستدعي انتباهها قبل إلقائه؛ فالتقرير الوارد على نفس مهيأة أرسخ من التقرير الوارد على نفس غافلة.
عرض القرآن ثلاثة نماذج متدرجة من الطغيان: عاد وقوتها في الأجساد والبنيان، وثمود وبراعتها في نحت الصخر واستيثاق المساكن، وفرعون وسلطانه المؤيد بالأوتاد؛ فاستوعبت هذه النماذج صور القوة الثلاث: قوة البدن، وقوة الصنعة، وقوة الملك. ثم جمعها كلها في وصف واحد: {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ}، وختمها بحكم واحد: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ}.
انتقلت السورة نقلة مباغتة من صخب الدنيا إلى دك الأرض ومجيء الرب سبحانه والملائكة صفوفاً والإتيان بجهنم؛ ليقع التذكر حين لا ينفع التذكر: {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ}، وتنطلق الحسرة الكبرى: {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}.
بعد تعداد أعمال البر جاء {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ}؛ فقُيّد قبول العتق والإطعام بالإيمان والتواصي؛ وهو نظير ما تقرر في سورة الغاشية من أن العمل بلا إيمان نصب بلا ثمرة.
ساق الله سبعة أقسام متتابعة بأزواج كونية متقابلة (الشمس وضحاها، القمر إذا تلاها، النهار إذا جلاها، الليل إذا يغشاها، السماء وما بناها، الأرض وما طحاها، ونفس وما سواها)؛ ليجعل النظام المطّرد في الآفاق برهاناً على أن في النفس نظاماً مثله: نوراً وظلمة، وارتفاعاً وانحطاطاً، وتجلياً وغشياناً.
وهو أطول ما أقسم الله عليه في القرآن الكريم من الأقسام المتتابعة؛ إبرازاً لأن قضية تطهير النفس ليست تحسيناً ولا تكميلاً، بل هي مدار النجاة والهلاك.
{كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا}؛ فالباء للسببية، والمعنى أن حاملهم على تكذيب رسولهم كان مجاوزتهم الحد في العتو لا قصور الحجة عندهم؛ وهذا كشف لجذر الكفر النفسي، لا مجرد إخبار تاريخي.
أقسم الله بالليل إذا يغشى، وبالنهار إذا تجلى، وبخلق الذكر والأنثى؛ فانتقل من ثنائية الزمان إلى ثنائية النوع؛ وكلها مخلوقات متضادة الأوصاف مؤتلفة في الحكمة، صادرة عن مدبر واحد. فكان القسم بها حجةً على المقسَم عليه لا مجرد تعظيم؛ إذ من جعل الليل ضد النهار والذكر ضد الأنثى هو الذي جعل السعي أضداداً.
{فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ} و{فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ}؛ وهي أدق قواعد السورة وأخطرها؛ ومعناها أن الله يفتح للعبد من الأبواب ما يوافق ما بذل من الأسباب؛ فالمُقبِل يُيسَّر للإقبال، والمدبِر يُخلَّى وإدبارَه؛ وليس في ذلك جبر يرفع التكليف، بل عدل يرتب المسبَّب على السبب.
{وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ}؛ فبعد أن جعل البخل والاستغناء رأس الطريق الثاني، كشف عن حقيقة ما استغنى به: عرَض لا يصحب صاحبه لحظة السقوط في القبر أو في النار؛ فبطل أن يكون المال معياراً أو ملجأً.
الاستدلال بثلاث منن سابقة على صدق الوعد اللاحق.
عرضت السورة ثلاث منن سابقة تحققت في حياته ﷺ ويعلمها من نفسه علم اليقين: الإيواء بعد اليتم، والهداية بعد التحير، والإغناء بعد العيلة؛ ليكون الماضي الذي لا يُنكر برهاناً على المستقبل الذي لا يُخلف؛ إذ من تولاك في ضعفك لا يخذلك في قوتك.
السورة في جملتها تأسيس لقاعدة تربوية عامة: أن الإمساك الإلهي إعداد لا إعراض، وأن انقطاع المألوف من العطاء تهيئة لعطاء أكبر؛ وهي القاعدة التي يعيش بها كل مبتلى وكل داعية أصابته فترة.
{وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}؛ وهي منّة يقابل بها ما قصده المشركون من الوضع والحط؛ فكان الرد على تحقيرهم برفع لا ينقطع ما دام في الأرض من يشهد الشهادتين ويؤذَّن للصلاة.
{أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ}؛ فرُدّ الأمر إلى برهان عقلي جامع: أن حكمة الحاكم تأبى التسوية بين من أحسن ومن أساء؛ فإثبات الجزاء لازم لإثبات الحكمة.
{خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} ليست مجرد خبر عن ليلة، بل تأسيس لمبدأ أن البركة في الأوقات ليست تابعة لطولها؛ فأمة قصيرة الأعمار تُعطى ليلة تعدل أكثر من ثلاث وثمانين سنة من عمل غيرها.
السورة وإن كانت خبراً في ظاهرها فمآلها الطلب؛ إذ الإخبار بهذا الفضل حض ضمني على التماس الليلة وإحيائها؛ ولذلك جاءت السنة بتحريها في العشر الأواخر، فكانت السورة أصلاً والسنة بياناً.
{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ} تقرير أن التوحيد والإخلاص والحنيفية والصلاة والزكاة هي جوهر ما أُمرت به الأمم قاطبة؛ فالخلاف لم يقع في الأصل بل في الوفاء به.
أُدرج في وسط المشهد صوت واحد هو صوت الإنسان: {مَا لَهَا}؛ وهو سؤال حيرة لا سؤال استفهام؛ ليُبرز أن الذي كان يجادل في البعث صار يقف أمامه مبهوتاً لا يملك إلا الاستغراب.
التذكير بيوم الاستخراج والخبرة.
{إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ}؛ والخبرة علم ببواطن الأمور؛ فناسب أن تُختم بها سورة كان محورها البواطن: كنود مستور، وحب خفي، وصدور تُحصَّل.
بُدئت السورة بكلمة واحدة مرفوعة بلا خبر ظاهر: {الْقَارِعَةُ}؛ فوقعت في السمع كالطرقة المفاجئة قبل أن يُعلم مدلولها؛ فالبناء الصوتي نفسه أول ما يؤدي المعنى.
لم تقل السورة «ألهاكم التكاثر إلهاءً شديداً»، بل رسمت مدى الغفلة برسم نهايتها: {حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ}؛ فبيّنت أن هذا الاشتغال لم ينقطع بموعظة ولا بمرض ولا بمشيب، بل استمر حتى انقضى العمر؛ وهذا أبلغ في التشنيع من كل نعت.
عرضت السورة سلماً معرفياً محكماً: «سوف تعلمون» علم بالخبر، ثم «علم اليقين» علم بالاستدلال، ثم «عين اليقين» علم بالمشاهدة؛ فبيّنت أن الحجة قائمة في المرتبة الأولى، وأن التأخر إلى المرتبة الثالثة تأخر إلى حيث لا ينفع العلم.
جاء الحكم على {الْإِنسَانَ} معرّفاً بالألف واللام الجنسية، مؤكداً بـ {إِنَّ} وباللام الداخلة على الخبر؛ فاجتمع في الجملة ثلاثة مؤكدات على أعم لفظ؛ ليستقر في النفس أن الأصل في الإنسان الخسارة حتى يثبت خلافها بالأركان الأربعة.
انحصرت أسباب النجاة في أربعة، جاءت مرتبة ترتيباً منطقياً محكماً: تصحيح المعتقد، ثم تصديقه بالعمل، ثم تعدية النفع إلى الغير بالتواصي بالحق، ثم حماية المشروع كله بالتواصي بالصبر؛ فلا يقوم لاحقها إلا على سابقها.
أُفرد الصبر بتواصٍ مستقل مع أنه داخل في العمل الصالح؛ إشارة إلى أن حمل الحق والدعوة إليه يورث الأذى، وأن ما لا يُحمى بالصبر لا يبقى؛ فالصبر حارس الأركان الثلاثة قبله.
من كان شأنه حطم الأعراض جُوزي بـ«الحطمة»؛ ومن كانت جنايته صادرة عن فؤاد ممتلئ بالكبر جُوزي بنار {تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ}؛ ومن جمع وعدّد وأحصى جُوزي بأن يُنبذ نبذ الشيء المستحقر.
{كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ}؛ فأُسند الفعل إلى وصف الربوبية مضافاً إلى ضمير النبي ﷺ؛ وفي هذا تقرير أن ما جرى لم يكن حادثاً طبيعياً ولا صنيع قبيلة، بل فعل الرب المدبر.