إرساء قاعدة قرآنية لا تتخلف في نصرة الرسل والمؤمنين: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}، وتوضيح أن نصر الدنيا قد يكون بالحجة والبيان، أو بالانتقام من الظالمين، أو باستخلاف أتباعهم وخلود ذكرهم وهدايتهم، ثم بالنصر الأكبر التام في عرصات القيامة.
افتتاح السورة بالتقرير الجازم أن هذا القرآن تنزيل من الرحمن الرحيم؛ كتاب مبين مفصل الآيات، عربي اللسان، واضح الدلالة، جامع للبشارة والنذارة؛ ومع ذلك استكبر المشركون ووضعوا بينه وبين قلوبهم موانع نفسية مفتعلة: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ}.
إكرام الثابتين على التوحيد: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}؛ تثبيتاً لقلوب الفئة المؤمنة المستضعفة في الأرض.
تقرير الحقيقة الخالدة بأن هذا الكتاب كتاب عزيز منيع: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}.
{كَذَٰلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.
{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ}.
{حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ}.
{حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}.
{وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا ۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ}.
{هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ}.
الافتتاح بالقسم بالقرآن المجيد وموقف المنكرين للبعث*:
نفي فرية اليهود الذين زعموا أن الله استراح في اليوم السابع {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ}، وتوجيه النبي والمؤمنين إلى مداومة التسبيح والذكر آناء الليل وأطراف النهار، والتذكير الدائم بهذا القرآن المجيد.
الاعتبار بالقرون، ونفي اللغوب، وتوجيهات التسبيح وخاتمة الإنذار بالقرآن*:
القسم بخمسة مقدسات ومظاهر كونية (الطور، كتاب مسطور في رق منشور، البيت المعمور، السقف المرفوع، البحر المسجور) على أن عذاب الله بالظالمين واقع حتماً ليس له دافع يدفع عنه.
الأقسام الخمسة (الطور، كتاب مسطور في رق منشور، البيت المعمور، السقف المرفوع، البحر المسجور) وجواب القسم القاطع: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ}.
التحدي بالإتيان بمثل القرآن إن كانوا صادقين.
**أفق النبوة والمعراج** — عصمة الوحي، عروج المصطفى، سدرة المنتهى، والآيات الكبرى
*أفق النبوة والمعراج** — عصمة الوحي، عروج المصطفى، سدرة المنتهى، والآيات الكبرى
القطب المقاصدي الحاكم لسورة القمر هو: **«الإنذار الحاسم بدنو القيامة وانخرام نواميس الكون عبر معجزة انشقاق القمر، وتعرية المكابرة النفسية للمكذبين، ومحاكمتهم بوقائع الاستئصال الصاعقة للأمم البائدة، مع إعلان التيسير الرباني للقرآن للذكر والاتعاظ، وتتويج ذلك ببيان قانون القدر الإلهي النافذ، وجزاء المجرمين في سقر والمتقين في مقعد صدق عند مليك مقتدر»**. ---
{عَلَّمَ الْقُرْآنَ} على خلق الإنسان؛ لأن حياة الروح سابقة في الرتبة على حياة الجسد. - خلق الإنسان وتعليمه البيان والنطق والتعبير.
بيان كرامة القرآن ورفعته؛ فهو قرآن كريم، في كتاب مكنون محفوظ، لا يمسه إلا المطهرون من الملائكة الأبرار، تنزيل من رب العالمين. - تقريع المكذبين الذين يجعلون شكر الرزق تكذيباً بالمنعم.
العتاب الرحيم {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا} مقرونٌ بالتحذير من مصير أهل الكتاب: {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ}؛ ثم أعقبه بالبشارة بأن القلب القاسي يحيا كما تحيا الأرض الميتة: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}.
قررت السورة أن غاية إرسال الرسل قيام الناس بالقسط، وأن القسط لا يقوم بالبيان وحده، بل يحتاج إلى ميزان يضبطه وقوة تحميه؛ فكان إنزال الحديد قريناً لإنزال الكتاب.
افتُتحت السورة بأعلى ما يمكن أن تُكرَّم به دعوى ضعيف؛ إذ نزل الوحي من فوق سبع سماوات في قضية امرأة واحدة، وسُمّيت السورة باسمها؛ فتقرر أن الضعف ليس مسوّغاً لإهمال الحق.
{مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ}؛ وهي أدق آية في القرآن في تصوير إحاطة العلم بالمجالس السرية مهما قلّ عددها أو كثر.
خُتمت السورة بأوضح تقسيم في القرآن للناس: {حِزْبُ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} في مقابل {حِزْبُ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}؛ فلا ثالث بينهما، والفاصل هو الولاء لا النسب.
علّلت السورة ما نزل بهم بعلة واحدة صريحة: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ}؛ فليست المسألة عداوة عنصرية ولا نزاعاً على أرض، بل مشاقّة للوحي بعد المعرفة به ونكثاً لميثاق مؤكد.
جاءت في سياق المال قاعدة كلية تحكم الدين كله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}؛ فربطت طاعة المال بطاعة الوحي، وجعلت السنة مصدراً ملزماً لا يُستدرك عليه.
ختمت السورة بثلاث آيات تعرض جملة من أسماء الله وصفاته مرتبة من التوحيد إلى التنزيه إلى الخلق والتصوير؛ فكأنها الجواب الأخير عن كل ما تقدم: من هذا الذي أخرجهم وقذف الرعب وقسم الفيء وأمر بالتقوى؟ هو الله الذي لا إله إلا هو.
كان الباعث عند حاطب رضي الله عنه ابتغاء يد يحمي بها أهله وقرابته بمكة، فجاء الجواب القرآني حاسماً: {لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ}؛ فقُطع الدافع من جذره بكشف بطلان الرهان عليه.
ختمت السورة ببنود بيعة النساء على ست خصال جامعة تبدأ بالتوحيد وتنتهي بطاعة المعروف؛ فجعلت إصلاح الأسرة والنسل جزءاً من عقد الولاء العام.
تسجيل شهادة عيسى عليه السلام بنبوة محمد ﷺ باسمه الصريح {اسْمُهُ أَحْمَدُ}؛ فهو تصديق سابق لاحق، وحجة على أهل الكتاب في إعراضهم، وربط بين حلقات الوحي في سلسلة واحدة.
تقرير أن الله بعث في قوم لا كتاب لهم رسولاً منهم، وأسند إليه أربع وظائف: تلاوة الآيات، وتزكية النفوس، وتعليم الكتاب، وتعليم الحكمة؛ وبيان ما كانوا عليه قبلها من ضلال مبين.
الإيمان بالقدر، والطاعة، والتوحيد، والتوكل.
{مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}، ثم إفراد التوحيد والتوكل: {اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}.
ذكر الرسول التالي للآيات المبينات المخرج من الظلمات إلى النور، ثم خلق السبع السماوات وما يقابلها من الأرض، وتنزّل الأمر بينهن؛ ليُعلم أن هذه الأحكام صادرة عمن أحاط بكل شيء علماً.
انفردت السورة بمشهد فريد في القرآن: حوارٌ مسموع بين خزنة جهنم والأفواج الملقاة فيها، ينتهي بإقرار المكذبين على أنفسهم أن الرسل جاءتهم فكذبوا، وأنهم عطّلوا سمعهم وعقلهم؛ فكان اعترافهم حجةً عليهم لا شفيعاً لهم.
افتتحت السورة بالقسم الجليل {ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}، ثم جاء النفي القاطع للتهمة {مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}، ثم تقرير الأجر الدائم {وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ}، ثم أعلى ما وُصف به بشر في كتاب الله: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}. فانتقل البيان من نفي النقص إلى إثبات الكمال، وهذا أبلغ من الاقتصار على النفي.
أَلَكم كتاب تدرسون فيه ما تدّعون؟ أَلكم أيمان علينا؟ أَلكم شركاء يشهدون؟ أعندكم علم الغيب؟ فتُغلق أمامهم كل منافذ الاحتجاج واحداً بعد واحد.