{ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ}؛ فردّ حالهم إلى سنة إلهية: أن الردة بعد المعرفة تورث الطبع، والطبع يورث انسداد باب الفقه.
{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ}، ثم عقّب بـ{وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} لتقرير المسؤولية ودفع توهم الجبر.
{قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ}، ثم {ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} مع بيان مآل الفريقين: تكفير السيئات وجنات خالدة للمؤمن، وخلود في النار للمكذب.
للآيسة وللتي لم تحض ثلاثة أشهر، وللحامل وضع الحمل؛ فاستوعبت السورة ما لم تستوعبه آية البقرة في هذا الباب.
عرض السورة لما جرى من إفشاء الحديث، وبيان أن الله أطلع نبيه عليه؛ ففي ذلك تربية على صيانة الأسرار وعلى معرفة أن الخفيّ عند الله ظاهر.
{إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}، ثم بيان أن الله ومَن معه مولاه وناصره.
افتتحت السورة بالقسم الجليل {ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}، ثم جاء النفي القاطع للتهمة {مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}، ثم تقرير الأجر الدائم {وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ}، ثم أعلى ما وُصف به بشر في كتاب الله: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}. فانتقل البيان من نفي النقص إلى إثبات الكمال، وهذا أبلغ من الاقتصار على النفي.
جاء دعاؤه {لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} معلَّلاً بعلة نبوية دقيقة {إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ}؛ فهو دعاء مبني على علم بحالهم وحال ذريتهم، وقد أعلمه الله من قبل: {أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ}.
سمع النفر آيات معدودة في ركعة فجر فقالوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ}؛ فأثبتت السورة أن التأخر في الاستجابة ليس لخلل في الخطاب بل لحجاب في المتلقي؛ وهذه حجة قاطعة على معاندي قريش الذين سمعوه سنين فما ازدادوا إلا نفوراً.
قررت السورة على لسان الجن تنزيه الله عن الصاحبة والولد، ونسبة القول الباطل إلى سفيه لا إلى الحق، والاعتراف بأنهم كانوا يظنون أن أحداً لا يكذب على الله فتبين لهم خلافه؛ فجمعت بين إثبات التنزيه وبين بيان منشأ الضلال وهو حسن الظن بالمبطلين.
نداء التزمّل والأمر بقيام الليل وترتيل القرآن وبيان علة ذلك.
بيان أن {نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} أشد موافقة بين القلب واللسان وأثبت للقول، وأن النهار موطن السباحة الطويلة في الأشغال؛ فالليل خُلوة، والنهار جَلوة، ولكل وقته.
افتُتحت السورة بنداء التلطف والوصف الحالي، ثم بسبعة أوامر متتابعة على وزن واحد وروي واحد: القيام، والإنذار، وتكبير الرب، وتطهير الثياب، وهجر الرجز، وترك المنِّ الاستكثاري، والصبر لله. فهذه هي منظومة التكليف الأولى للنبوة: عقيدةٌ في القلب، وطهارةٌ في الظاهر، وبراءةٌ من الوثنية، ونزاهةٌ في الباعث، وثباتٌ على الطريق.
انفردت الآية (31) بأن جعلت العدد المذكور محكَّاً تُمتحن به القلوب: فتنةً للكافرين، واستيقاناً لأهل الكتاب، وزيادة إيمان للمؤمنين، ورفعاً للريب، وسبباً لقول أهل المرض والكفر: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً ۙ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ۙ وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ۙ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ} في جملتها المعترضة. ثم خُتمت بأصل جامع: أن جنود الرب لا يعلمها إلا هو، وأن هذا كله ذكرى للبشر.
أدب تلقي الوحي وضمان حفظه وبيانه.
اعترض السياق بأربع آيات توجّه النبي ﷺ إلى ترك العجلة بالقرآن، وتتكفل له بالجمع والقراءة والبيان: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}؛ فقُرن ضمان حفظ الوحي بتقرير البعث؛ إذ الخبر لا يُوثق به إلا بعد الوثوق بسلامة الطريق الذي جاء منه.
{إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ}؛ فالنطفة الممتزجة أصل مادي مهين، والابتلاء غاية وجودية، والسمع والبصر أداتان مُنحتا لأجلها.
طمس النجوم، وفرج السماء، ونسف الجبال، وتأقيت الرسل؛ أربعة مشاهد تنتقل من انطفاء النور إلى انشقاق السقف إلى تفتت الرواسي إلى جمع الشهود؛ ثم يأتي السؤال المهول {لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ} وجوابه {لِيَوْمِ الْفَصْلِ}.
أشراط انطواء العالم وتحديد يوم الفصل.
{هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ}، ثم إعلان الجمع العام {جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ}، ثم التحدي القاطع {فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ}.
ظل المكذبين {ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ * لَّا ظَلِيلٍ}، وظل المتقين {فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ}؛ فاللفظ واحد والحقيقة متقابلة؛ وهذا من أدق ما في نظم السورة.
بيان أن ليوم القيامة موعداً مؤقتاً محدداً لا يتقدم ولا يتأخر: {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا}؛ وتصوير النفخ في الصور، ومجيء الخلائق أفواجاً، وانفتاح أبواب السماء، وتسيير الجبال حتى تصير سراباً.
ختمت السورة بجواب سؤالهم عن وقت الساعة: {فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا * إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا}؛ فقُطعت أطماع السائلين في تحديد الميقات، وصُرفت هممهم إلى الاستعداد لا إلى التوقيت.
بيان أن الداعية مبلّغ لا موكل بإجبار القلوب: {وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ}؛ فلا يحمله الحرص على إسلام الكبراء على تقديمهم على أهل الإقبال والافتقار.
بعد استيفاء الحجج جاء التوبيخ الحاسم: {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ}؛ استفهام يفيد التحيير والتبكيت؛ إذ لم يبق بعد هذا البيان طريق يُسلك ولا معذرة تُقبل.
تكرار {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ} مرتين لتعجيز الإدراك عن بلوغ كنهه، ثم بيان خاصته الفارقة: {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ}؛ فانقطعت كل وساطة يعوّل عليها المشركون.
تقرير أن جحود المكذب ليس عن نظر وبرهان، بل عن صدأ تراكم على القلب من كسب المعاصي حتى غطّاه: {كَلَّا ۖ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}؛ فالمعصية تُعمي بصيرة صاحبها عن إدراك الحق.
تعظيم القرآن وبيان حفظه.
تفرّدت السورة بتحديد ميقات الرجع بأنه {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}؛ فالمدار يومئذ على ما استكنّ في القلوب من إيمان أو نفاق، وإخلاص أو رياء، لا على ما تزيّن به الناس في الدنيا؛ ويترتب عليه سقوط كل ملجأ ذاتي أو خارجي: {فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ}.
الأمر بتسبيح الرب الأعلى، وبيان موجبه من سنن الخلق والتقدير والهداية والإنبات.
{فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ}؛ فليس عليه هداية القلوب ولا حمل الناس على الإيمان، وإنما عليه البلاغ والتذكير؛ وفي هذا تخفيف عنه وتحديد لحدود المسؤولية.
{فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} تقرير لحدّ ما على الداعية وما ليس عليه؛ فعليه البلاغ والبيان، وليس عليه قهر القلوب على القبول.
أقسم الله بالفجر، وبليال عشر، وبالشفع والوتر، وبالليل إذا يسري؛ وكلها أزمنة متحركة متبدلة، تشهد بأن هذا الكون قائم على التداول والانقضاء لا على الثبات؛ فمن ظن أن حاله دائم فقد كذّبته الأزمنة نفسها. ثم عقّب بقوله: {هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ} تنبيهاً على أن هذا البيان إنما ينتفع به صاحب العقل الحاجز عن الهوى.
تعداد نعم الإدراك والبيان والهداية.
قسمة الناس إلى فريقين وبيان مآل كل منهما.
بعد تعداد أعمال البر جاء {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ}؛ فقُيّد قبول العتق والإطعام بالإيمان والتواصي؛ وهو نظير ما تقرر في سورة الغاشية من أن العمل بلا إيمان نصب بلا ثمرة.
بيان أن النفس خُلقت مستوية معتدلة الفطرة، مزوَّدة بأداة التمييز بين الفجور والتقوى؛ فليس أحد يهلك جاهلاً بحقيقة ما يصنع، بل يهلك بعد بيان وتعريف.
وصف الأتقى وبيان حقيقة الإخلاص ووعد الرضا.
{إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَىٰ}؛ فأثبت أن البيان واقع لا محالة فلا عذر لمعتذر بالجهل، وأن الدارين ملكه فلا مهرب لهارب إلى غير سلطانه؛ وبهذين الأصلين تتم الحجة على المكذب.
{وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ * وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ * وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ}؛ فرسمت السورة صورة الإخلاص في أدق حدودها: بذلٌ لا يقصد به مكافأة يد سابقة، ولا استجلاب يد لاحقة، ولا حظاً من ثناء؛ وإنما ابتغاء وجه الرب الأعلى وحده. ثم ختمت بأوسع وعد وأرقّه: {وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ}.