{كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}؛ فقُدّم حرمان النظر إلى وجهه الكريم على ذكر صليّ الجحيم، إيذاناً بأن أعظم ما يفوت الكافر هو ربه لا ناره.
تعليل مصير الفريق الثاني بعلتين متلازمتين: بطر السرور الدنيوي المنقطع عن ذكر الآخرة {إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا}، وسوء الظن بالبعث والرجوع {إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ}؛ فالغفلة والظن الفاسد هما مدخل الهلاك.
{وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}؛ فقُصر الذنب المزعوم على الإيمان وحده، وجيء بوصفي العزة والحمد ليتبيّن أن المنقوم عليه ليس نقصاً يُعاب بل كمال يُحمد؛ وهذا من أبلغ أساليب فضح الظالم بمنطقه هو.
افتتحت السورة بالأمر بالتسبيح {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، ثم أتبعته بسلسلة من الأفعال الموصولة تبيّن موجب هذا التنزيه: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ}؛ فالتسبيح ههنا ثمرة نظر في سنن الله في خلقه، لا مجرد لفظ يُقال.
الأمر بتسبيح الرب الأعلى، وبيان موجبه من سنن الخلق والتقدير والهداية والإنبات.
انقسام الناس أمام الذكرى، ومآل كل فريق.
{سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى}؛ فالخشية مفتاح الانتفاع، والشقاء سبب الإعراض؛ ثم بُيّن مآل كل فريق: نار كبرى لا موت فيها ولا حياة، وفلاح لمن تزكّى وذكر اسم ربه فصلّى.
انتقلت السورة نقلة مباغتة من صخب الدنيا إلى دك الأرض ومجيء الرب سبحانه والملائكة صفوفاً والإتيان بجهنم؛ ليقع التذكر حين لا ينفع التذكر: {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ}، وتنطلق الحسرة الكبرى: {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}.
أقسم الله بالليل إذا يغشى، وبالنهار إذا تجلى، وبخلق الذكر والأنثى؛ فانتقل من ثنائية الزمان إلى ثنائية النوع؛ وكلها مخلوقات متضادة الأوصاف مؤتلفة في الحكمة، صادرة عن مدبر واحد. فكان القسم بها حجةً على المقسَم عليه لا مجرد تعظيم؛ إذ من جعل الليل ضد النهار والذكر ضد الأنثى هو الذي جعل السعي أضداداً.
{وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}؛ وهي منّة يقابل بها ما قصده المشركون من الوضع والحط؛ فكان الرد على تحقيرهم برفع لا ينقطع ما دام في الأرض من يشهد الشهادتين ويؤذَّن للصلاة.
قُرن الأمر بالقراءة مباشرة بذكر أصل الإنسان {مِنْ عَلَقٍ}؛ فأول ما يُعلَّمه الإنسان أن الذي يرفعه بالعلم هو الذي أنشأه من دم متعلق؛ وفي هذا القرن حصانة مبكرة من الغرور بالعلم.
انتقلت السورة من المشهد الكوني إلى الحكم الفردي: {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ}، {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ}؛ فلم يُذكر حسب ولا مال ولا جاه؛ بل رجحان كفة أو خفتها.
قُدّم في الآية الثانية {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ} على ذكر ما أصابهم؛ ليُعلم أن أول ما وقع بهم هو إبطال تدبيرهم وتحييره؛ فلم يبلغوا شيئاً مما أرادوا؛ وهذه أشد من الهلاك؛ إذ الهلاك مع بلوغ المقصود دون الهلاك مع الحرمان منه.
الطعام والأمن؛ وهما قوام البدن وقوام الاجتماع؛ فمن اجتمعا له فقد أوتي مادة العيش كلها. وذكرهما في مقام الامتنان تنبيه على أن ما وراءهما فضول، وأن من طُولب بالشكر فقد استُوفيت في حقه أسباب الشكر.
جاء {الْكَوْثَرَ} معرَّفاً بلام تحتمل الجنس، ولم يُقيَّد بنوع من الخير؛ فدخل فيه نهر الجنة الذي جاء تفسيره في السنة، ودخل فيه الحوض والنبوة والقرآن والشفاعة وكثرة الأتباع وبقاء الذكر؛ فاللفظ الواحد استوعب وجوه العطاء كلها.
السورة في جملتها تُعلِّم أن العبرة ببقاء الذكر واتصال الأثر لا بامتداد النسب؛ فأبناء من شنِئوا انقرضت أسماؤهم، وذِكر النبي ﷺ مرفوع في كل أذان إلى قيام الساعة.
لم تذكر السورة غنيمة ولا سلطاناً ولا مدينة؛ بل ذكرت {يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا}؛ فجعلت ثمرة الفتح دخول الناس في الدين لا استيلاء الغالب على المغلوب.
جاء جواب الشرط أمراً بثلاث: التسبيح، والحمد، والاستغفار؛ فلم يُؤمر بإعلان الانتصار ولا بمطالبة الخصم، بل أُمر بما يزيده انكساراً بين يدي ربه.
الأمر بالاستغفار في مقام لا ذنب فيه يقرر أن العبد مهما بلغ لا يستوفي حق الله عليه؛ فالاستغفار هنا استدراك لتقصير العبودية لا لجناية اقترفت.
السورة قاعدة في خواتيم الأعمال كلها؛ فالصلاة تُختم بالاستغفار، والحج يُختم بالاستغفار، والعمر يُختم بالتوبة؛ فما بُني على هذا سلم من العجب.
وصفه بـ{الْخَنَّاسِ} ــ وهو كثير التأخر والانقباض ــ إعلام بأن سلطانه إنما هو على قلب غافل؛ فإذا ذُكر الله انقبض وتوارى؛ فليس في السورة تهويل للعدو، بل تعريف بمدخله ودوائه معاً.