المقصد الكلي الناظم لآيات سورة النحل هو: **«الاستدلال بفيض النعم الإلهية المشهودة والآلاء المبثوثة في الآفاق والأنفس على تفرد الله تعالى بالألوهية والربوبية والقدرة على البعث، وإلزام العباد بشكر المنعم بالتوحيد والاستقامة، ودحض الشرك ببيان عجز الشركاء المطلق عن الخلق والإنعام»**. فالسورة الكريمة سفر التوحيد الأعظم الذي يخاطب العقول والفطر عبر نافذة المشاهدات اليومية والنعم الملموسة؛ لتبين أن المنفرد بالخلق والرزق والإمداد وتدبير الأكوان هو وحده المستحق للعبادة والخضوع، وأن تسوية العاجز المخلوق بالخالق المنعم سفاهة عقلية وانتكاسة فطرية. ---
المقصد الكلي الناظم لآيات سورة الإسراء هو: **«تقرير التنزيه المطلق لله تعالى وتوحيده الخالص، وإعلان انتقال مركز القيادة الروحية والرسالية للبشرية إلى النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم وأمته، بعد استنفاد بني إسرائيل لفرص الاستخلاف بإفسادهم وعتوهم، وبيان دستور الأخلاق والتشريع القويم الذي تبتنى عليه النهضة الحضارية الراشدة بالقرآن العظيم الذي يهدي للتي هي أقوم»**. فالسورة الكريمة تؤسس لمعادلة الاستخلاف البشري؛ حيث تبدأ بمعجزة الإسراء الرابطة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى إعلاناً بوراثة الأمة المحمدية للمقدسات وميراث النبوات، ثم تعقب بنبوءة الصراع مع الإفساد الإسرائيلي، وترسخ بعد ذلك منظومة من الأوامر والزواجر الأخلاقية والاجتماعية التي تمثل صمام الأمان لأي أمة تسعى للبقاء والعزة، وتبرز أن القرآن الكريم هو الملاذ العاصم من التيه والضلال. ---
اصطفاء مريم البتول، وتجلي القدرة في النفخ من الروح الإلهي لتلد نبياً من غير فحل، وإنطاق الرضيع في المهد بكلمة التوحيد والعبودية {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا}، وقطع دابر الغلو والشرك.
عرض نماذج من سيرة إبراهيم الخليل عليه السلام ومحاجته لأبيه بالرفق والحكمة ثم مفارقته للأوثان، والثناء على موسى الكليم، وإسماعيل صادق الوعد، وإدريس الرفيع المقام، وبيان انحدار الخلف من بعدهم بإضاعة الصلاة واتباع الشهوات، وفتح باب التوبة والرحمة.
التقرير الجازم في مطلع السورة بأن القرآن مصدر للحياة والنور والسعادة، وأن المشاق الدنيوية والابتلاءات التي تعترض الدعاة ليست شقاءً، بل هي اصطناع وتمحيص وسبيل للمجد الأبدي {مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ}.
عرض تفصيلي مبهر لمواجهة موسى مع أكبر طغيان سياسي متأله (فرعون)، ومع أعظم تضليل معرفي وسحري (السحرة)، ومع أخطر انحراف ديني ونكوص داخلي في الصف المؤمن (السامري وعجله)؛ وكيف ينقشع الباطل كله أمام كلمة الحق الصادعة والتوحيد الخالص.
تقرير أن جميع الرسل بعثوا بكلمة التوحيد الواحدة: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}.
إبطال عقائد الشرك والوسائط، وإثبات تفرد الخالق بالملك والتدبير وتقدير مقادير الخلائق.
كشف شبهات المشركين في دعوى الافتراء، وبيان حكمة التنجيم لتثبيت قلب النبي ﷺ وتأييده بالحق المبين.
{وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ}.
{وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ}.
- إبراز "سلطان العلم والحكمة المسخرين لشكر المنعم والتمكين لدين التوحيد"، وبيان تمايز الحضارة الإيمانية القائمة على التسبيح والعدل، عن الحضارات المادية القائمة على الشرك والاستعلاء الأجوف.
تكرار نفي المشاهدة المادية عن النبي ﷺ {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ}، {وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ}، {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ}؛ فإخباره بهذه الدقائق والتفاصيل النفسية والكونية برهان قاطع على أنه وحي معصوم من رب العالمين.
ختام السورة بأدوات الثبات الأربع: تلاوة الوحي وتدبره، وإقامة الصلاة الحامية من الفحشاء والمنكر، واستحضار ذكر الله الأكبر، وبذل غاية الجهد في المجاهدة الصادقة؛ ليظفر العبد بالهداية المستمرة والمعية الإلهية: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}.
تدور سورة الروم حول قطب كلي راسخ مؤداه: **«ارتباط نواميس التاريخ وتقلبات أحوال الأمم بنواميس الكون الكبرى وبراهين الفطرة والتوحيد، وأن الأمر كله لله من قبل ومن بعد، فبيده النصر والرزق والإحياء والإماتة، ولا قيام للمجتمعات ولا نجاة للإنسانية إلا بالاستمساك بالدين القيم الفطري ونبذ الشرك والتفرق والفساد»**.
التنبيه على أن الإسلام ليس ديناً طارئاً على الوجود، بل هو الدستور المتطابق كلياً مع الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}.
تدور سورة لقمان حول قطب كلي راسخ مؤداه: **«بيان حقيقة الحكمة الإلهية في تدبير الكون وتربية الإنسان، وإثبات أصول التوحيد ونبذ الشرك والخرافة، واستعراض معالم المنهاج التربوي القويم المستمد من الوحي والحكمة لتزكية الفرد وبناء المجتمع، مع تقرير سعة علم الله وقدرته المطلقة وخضوع مفاتح الغيب الخمس له وحده»**.
تستهل السورة بوصف القرآن بأنه {الْكِتَابِ الْحَكِيمِ}، هادٍ وراحم للمحسنين الذين جمعوا بين إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، واليقين بالآخرة.
- خلق السماوات بغير عمد مرئية، وإلقاء الجبال الرواسي في الأرض لئلا تميد بالبشر، وبث الدواب من كل صنف.
التذكير بتسخير الكون كله للإنسان، ونقد مجادلة الكفار بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، وتبيان عروة التوحيد الوثقى لمن أسلم وجهه إلى الله.
التعبير القرآني المعجز عن لانهائية علم الله وكلماته بمثل الأشجار لو كانت أقلاماً والبحر يمد من بعده سبعة أبحر مداداً لما نفدت كلمات الله.
{الم تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۚ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ}.
{قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ}؛ بالدعوة إلى الانعتاق من ضغط الجماهير والتعصب القبلي، والتفكر النزيه في دلائل الصدق والرسالة.
ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات بإذن الله، مع بقاء أصل الإيمان والنجاة لجميع أصناف المصطفين برحمة الله وفضله.
{يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، مما يقرر حجية الوحي الإلهي وعصمة الشريعة الخاتمة.
{قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ}، ثم حلول العذاب المستأصل بالمكذبين بصيحة واحدة هادئة أخمدت أنفاسهم.
{مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا}، وتمايز الصفوف التام بين أصحاب الجنة المتنعمين في ظلال الكرامة وسلام من رب رحيم، وبين المجرمين المنبوذين المفضوحين بشهادة أيديهم وأرجلهم.
{إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ}.
خصومة قريش مع التوحيد، وتسور الخصمين محراب داود، وتخاصم الملأ الأعلى في خلق آدم والدرجات والكفارات، وتخاصم أهل النار في دركات الجحيم.
{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ}.
ورد في هذه السورة أصرح نص قرآني على إثبات عذاب القبر والبرزخ لآل فرعون وسائر الكفرة قبل قيام الساعة الكبرى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}، وهو حجة قاطعة لأهل السنة والجماعة في إثبات أحوال البرزخ.