باشر العقر واحد وأُسند إلى الجميع {فَعَقَرُوهَا}؛ لأنهم رضوا وتابعوا وأغروا؛ فتقرر أن الرضا بالمنكر يُلحق الراضي بالفاعل في الحكم والجزاء.
أقسم الله بالليل إذا يغشى، وبالنهار إذا تجلى، وبخلق الذكر والأنثى؛ فانتقل من ثنائية الزمان إلى ثنائية النوع؛ وكلها مخلوقات متضادة الأوصاف مؤتلفة في الحكمة، صادرة عن مدبر واحد. فكان القسم بها حجةً على المقسَم عليه لا مجرد تعظيم؛ إذ من جعل الليل ضد النهار والذكر ضد الأنثى هو الذي جعل السعي أضداداً.
{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}؛ فقُرن الإيمان بالعمل ولم يُفرد أحدهما؛ إذ لا يقوم التصديق بلا أثر، ولا ينفع العمل بلا أصل.
{تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا} تصوير لحركة نازلة من الملأ الأعلى إلى الأرض، مقيدة بالإذن {بِإِذْنِ رَبِّهِم}؛ فليس في الكون فعل مستقل عن الإذن الإلهي ولو كان فعل الملائكة.
أُدرج في وسط المشهد صوت واحد هو صوت الإنسان: {مَا لَهَا}؛ وهو سؤال حيرة لا سؤال استفهام؛ ليُبرز أن الذي كان يجادل في البعث صار يقف أمامه مبهوتاً لا يملك إلا الاستغراب.
عُلّل نطق الأرض بأمر واحد: {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا}؛ فلا هي تفعل باستقلال، ولا الحادث خارج عن التدبير؛ بل هو تنفيذ لأمر صدر من الرب سبحانه.
افتتحت السورة بخمسة أقسام متتابعة ترسم مشهداً واحداً في مراحله: عَدْو، فقدح للنار، فإغارة عند الصبح، فإثارة للغبار، فتوسط لجمع العدو؛ فليس القسم بجملة ساكنة بل بحدث يتحرك أمام السامع.
بُدئت السورة بكلمة واحدة مرفوعة بلا خبر ظاهر: {الْقَارِعَةُ}؛ فوقعت في السمع كالطرقة المفاجئة قبل أن يُعلم مدلولها؛ فالبناء الصوتي نفسه أول ما يؤدي المعنى.
قسمة الخلق إلى فريقين بميزان واحد.
جاء الردع في ثلاث مراتب متصاعدة: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ}، ثم {ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ}، ثم {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ}؛ فالأولى ردع، والثانية تأكيد للردع بالتراخي المفيد للتهويل، والثالثة نقلة من الوعيد بالعلم إلى بيان أثر العلم لو حصل.
النتيجة النهائية بصورة واحدة جامعة.
السورة في جملتها مقدمة لازمة لما بعدها؛ إذ لولا هذه الحماية لما بقيت لقريش رحلة ولا أمن ولا إيلاف؛ فجاءت الفيل تقرر النعمة، وجاءت قريش تطالب بحقها؛ فالسورتان حجة واحدة موصولة.
جمعت السورة في سبع آيات بين ركني الدين؛ حق الله في الصلاة الخالصة الحاضرة، وحق العباد في اليتيم والمسكين والماعون؛ فلا يقبل أحدهما مع تضييع الآخر.
جاء {الْكَوْثَرَ} معرَّفاً بلام تحتمل الجنس، ولم يُقيَّد بنوع من الخير؛ فدخل فيه نهر الجنة الذي جاء تفسيره في السنة، ودخل فيه الحوض والنبوة والقرآن والشفاعة وكثرة الأتباع وبقاء الذكر؛ فاللفظ الواحد استوعب وجوه العطاء كلها.
فرَّعت السورة على العطاء أمرين بالفاء: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}؛ فجعلت الشكر عملاً بدنياً ومالياً معاً، وحصرته في وجهة واحدة هي وجه الرب سبحانه؛ فقُوبل شرك المشركين في الذبح والنسك بتوحيد خالص في العبادتين.
العرض الذي جاء به المشركون هو أقدم صور المساومة على الدين: أن يُؤخذ من كل ملة طرف ويُبنى منها دين ثالث؛ فردَّت السورة هذا العرض رداً باتاً، وقررت أن التوحيد لا يقبل الشركة ولو في لحظة واحدة.
تقرير ذات المعبود بصفتي الأحدية والصمدية.
فالأحدية أخصّ من الواحدية؛ إذ الواحد قد يُثنّى ويُجمع وتنقسم أجزاؤه، والأحد لا يقبل الانقسام في ذاته ولا الشركة في ربوبيته ولا النظير في ألوهيته.
{وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} يقطع دابر التشبيه والتمثيل في الذات والصفات، ويسدّ باب اتخاذ الأنداد والشفعاء والوسائط والصاحبة والنظير.
لمّا كان المستعاذ منه في هذه السورة واحداً في العدد، عظيماً في الأثر، خفيّاً في المدخل، دائماً في الملازمة؛ ثُلّثت أوصاف المستعاذ به ولم يُكتف بوصف واحد كما اكتُفي في الفلق؛ فتكثير الوسائل بحسب شدة الحاجة.