ختمت السورة بثلاث آيات تعرض جملة من أسماء الله وصفاته مرتبة من التوحيد إلى التنزيه إلى الخلق والتصوير؛ فكأنها الجواب الأخير عن كل ما تقدم: من هذا الذي أخرجهم وقذف الرعب وقسم الفيء وأمر بالتقوى؟ هو الله الذي لا إله إلا هو.
ختمت السورة ببنود بيعة النساء على ست خصال جامعة تبدأ بالتوحيد وتنتهي بطاعة المعروف؛ فجعلت إصلاح الأسرة والنسل جزءاً من عقد الولاء العام.
افتتحت السورة بتسبيح ما في السماوات والأرض، وحصر الملك والحمد في الله، وعموم قدرته؛ فقُرّرت أصول العقيدة الثلاثة: التنزيه، والملك، والحمد، ليُبنى عليها ما بعدها من التكليف والجزاء.
تقرير الربوبية والألوهية بالتسبيح والملك والحمد والقدرة والعلم.
الإيمان بالقدر، والطاعة، والتوحيد، والتوكل.
{مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}، ثم إفراد التوحيد والتوكل: {اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}.
افتُتحت السورة بحصر الملك في يده سبحانه، وخُتمت بأربع تحدّيات متتابعة تسلب من الخلق ما توهموه من نصرة ورزق وأمنٍ وماء؛ فما بين المطلع والخاتمة تقريرٌ واحد: ليس بيد أحد سواه شيء.
تتابع الأوامر: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا}، ثم تقرير التوحيد: {رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا}؛ فالانقطاع إلى الله فرع عن معرفته، والتوكل عليه ثمرة توحيده.
عرضت السورة القصة في اثنتي عشرة آية بأسلوب البرق الخاطف: نداء بالوادي المقدس، وأمر بالذهاب إلى الطاغية، ودعوة بأرفق عبارة، وآية كبرى، ثم تكذيب وإدبار وحشر ودعوى الربوبية، ثم أخذ إلهي جامع بين نكال الدنيا والآخرة.
{فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ}؛ فقيّد الصلي المطلق بالأشقى المكذب المتولي؛ وهو تقييد يفتح باب الرجاء لأهل التوحيد ويسد باب الاتكال على مجرد الدعوى.
أول كلمة نزلت أمر بالقراءة، لكنها لم تُطلق بل قُيّدت: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}؛ فقُرن العلم بالتوحيد من أول لحظة؛ فليس المقصود قراءة مجردة بل قراءة معلقة بالله مبتدأة به.
{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ} تقرير أن التوحيد والإخلاص والحنيفية والصلاة والزكاة هي جوهر ما أُمرت به الأمم قاطبة؛ فالخلاف لم يقع في الأصل بل في الوفاء به.
{كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ}؛ فأُسند الفعل إلى وصف الربوبية مضافاً إلى ضمير النبي ﷺ؛ وفي هذا تقرير أن ما جرى لم يكن حادثاً طبيعياً ولا صنيع قبيلة، بل فعل الرب المدبر.
جاء الأمر {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ}؛ فعُلّق استحقاق العبادة بوصف الربوبية على البيت الذي به شرفهم وبه معاشهم؛ فسُدّت عليهم كل ذريعة إلى صرف العبادة لغيره؛ إذ الأصنام التي حول البيت لم تُطعم ولم تُؤمّن.
فرَّعت السورة على العطاء أمرين بالفاء: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}؛ فجعلت الشكر عملاً بدنياً ومالياً معاً، وحصرته في وجهة واحدة هي وجه الرب سبحانه؛ فقُوبل شرك المشركين في الذبح والنسك بتوحيد خالص في العبادتين.
العرض الذي جاء به المشركون هو أقدم صور المساومة على الدين: أن يُؤخذ من كل ملة طرف ويُبنى منها دين ثالث؛ فردَّت السورة هذا العرض رداً باتاً، وقررت أن التوحيد لا يقبل الشركة ولو في لحظة واحدة.
افتُتحت السورة بالأمر {قُلْ} تكليفاً للنبي ﷺ بتبليغ الجواب على وجه الوحي لا على وجه الرأي؛ فليس تعريف الرب مما تبلغه العقول باستقلالها، بل هو مما يُتلقى عن الله في وصف نفسه.
الأمر بالتعوذ وتعيين المستعاذ به بوصف الربوبية مضافاً إلى الفلق.
{بِرَبِّ الْفَلَقِ}؛ ففي الاسم دليل على القدرة، وفي المضاف إليه دليل على أن هذه القدرة جارية مطردة كل يوم؛ فالمستعيذ يلجأ إلى من يرى أثر قدرته في كل فجر.
{بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَٰهِ النَّاسِ}؛ فالربوبية تربية وإيجاد وإمداد، والملك سلطان نافذ وتدبير قاهر، والألوهية استحقاق للعبادة وحده؛ فاجتمع للمستعيذ من يقدر على دفع عدوه، ويملك أمره، ويستحق أن يُفرد بالطلب.
جاءت آخر سورة في الترتيب تعليماً للعبد أن يختم أمره كله بالالتجاء إلى ربه في حفظ قلبه؛ فبعد أن قُرّرت العقائد والشرائع والأخبار في سور القرآن، خُتم الأمر بحماية المحل الذي تستقر فيه هذه المعاني كلها.