بعد الأوامر جاء قوله: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَٰلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ}؛ فرُبط الأمر بالإنذار بالمنذَر به؛ إذ لا معنى للإنذار ما لم يكن ثمة يوم عسير يُنذَر منه. وفي وصفه بالعسر على الكافرين خاصةً إشعارٌ بأنه على المؤمنين يسير.
القسم على عِظَم الإنذار، ورهانة النفس، وحوار أهل الجنة مع المجرمين.
أقسم الله بالقمر والليل إذ أدبر والصبح إذا أسفر على أن سقر لإحدى الكبر، نذيراً للبشر؛ ثم قرَّر قاعدة الجزاء الفردي: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}، واستثنى أصحاب اليمين، وعقد بين أهل الجنة والمجرمين حواراً كاشفاً عن أسباب الهلاك الأربعة: ترك الصلاة، ومنع الطعام عن المسكين، والخوض مع الخائضين، والتكذيب بيوم الدين.
عادت السورة في خاتمتها إلى ما بدأت به من الإنذار، فصوَّرت إعراض المكذبين تصويراً محسوساً بالحُمُر النافرة من الأسد، وكشفت عن دعواهم في طلب الصحف المنشَّرة، ثم ردَّت العلة إلى أصلها: {كَلَّا ۖ بَل لَّا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ}، وخُتمت بأن القرآن تذكرة، وأن الذكرى موقوفة على مشيئة الله، وأنه سبحانه أهل التقوى وأهل المغفرة.
تصوير قيام الروح والملائكة صفاً خاشعين لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً، وتوجيه الإنذار الأخير للبشرية من ذلك العذاب القريب حين ينظر المرء ما قدمت يداه ويصرخ الكافر من فرط الهول والحسرة: {يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا}.
عرضت السورة القصة في اثنتي عشرة آية بأسلوب البرق الخاطف: نداء بالوادي المقدس، وأمر بالذهاب إلى الطاغية، ودعوة بأرفق عبارة، وآية كبرى، ثم تكذيب وإدبار وحشر ودعوى الربوبية، ثم أخذ إلهي جامع بين نكال الدنيا والآخرة.
سؤالهم عن ميقات الساعة وجوابه، وحصر وظيفة النبي في الإنذار.
ختمت السورة بجواب سؤالهم عن وقت الساعة: {فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا * إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا}؛ فقُطعت أطماع السائلين في تحديد الميقات، وصُرفت هممهم إلى الاستعداد لا إلى التوقيت.
العتاب النبوي وتقرير ميزان القيم في الدعوة.
من الأرائك والنظر، ونضرة الوجوه، والرحيق المختوم الذي ختامه مسك، والمزاج من تسنيم التي يشرب بها المقربون صرفاً؛ ثم تتويج ذلك بالدعوة إلى المنافسة المشروعة: {وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}.
{فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ}؛ فليس عليه هداية القلوب ولا حمل الناس على الإيمان، وإنما عليه البلاغ والتذكير؛ وفي هذا تخفيف عنه وتحديد لحدود المسؤولية.
{فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} تقرير لحدّ ما على الداعية وما ليس عليه؛ فعليه البلاغ والبيان، وليس عليه قهر القلوب على القبول.
الإنذار بالنار وتعيين أهلها.
{فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ}؛ فقيّد الصلي المطلق بالأشقى المكذب المتولي؛ وهو تقييد يفتح باب الرجاء لأهل التوحيد ويسد باب الاتكال على مجرد الدعوى.
افتتحت السورة ببيان أن الكفار من أهل الكتاب والمشركين لم يكونوا ليُتركوا على حالهم من غير إنذار، ولا ليُؤاخذوا قبل مجيء الحجة؛ فقُدّم أصل العدل قبل أصل الجزاء؛ وهو ترتيب يسد باب الاحتجاج على الله.
أُفرد الصبر بتواصٍ مستقل مع أنه داخل في العمل الصالح؛ إشارة إلى أن حمل الحق والدعوة إليه يورث الأذى، وأن ما لا يُحمى بالصبر لا يبقى؛ فالصبر حارس الأركان الثلاثة قبله.
جُعل الجواب وحياً منقولاً لا رأياً للنبي ﷺ؛ فأُخرج الأمر من دائرة الاجتهاد الشخصي إلى دائرة التبليغ الملزم؛ وفي هذا قطع لطمع المساومين في أن يلين الأمر باللقاء والمراجعة.
نُودوا بـ{الْكَافِرُونَ}؛ وهو نداء يحمل الحكم قبل الكلام؛ فلا يبقى بعده لبس في موقع المخاطب من الحق؛ وهذا مقتضى وضوح الدعوة في مقام العرض النهائي.
لو كانت الدعوة مبنية على عصبية أو طلب سؤدد لكان أولى الناس بالمداراة عمَّ الداعي وسيداً من سادات قومه؛ فلما نزل الوحي بحكمٍ عليه لا يُداهن، سقطت التهمة قبل أن تُقال.
افتُتحت السورة بالأمر {قُلْ} تكليفاً للنبي ﷺ بتبليغ الجواب على وجه الوحي لا على وجه الرأي؛ فليس تعريف الرب مما تبلغه العقول باستقلالها، بل هو مما يُتلقى عن الله في وصف نفسه.