روى الترمذي في سننه (كتاب التفسير، تفسير سورة محمد، رقم ٣٢٦٠، ٣٢٦١) وابن جرير الطبري (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ١٣٦-١٤٠)جامع البيانالطبري٢١/١٣٦ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم}، قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الذين إن تولينا استُبدلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالنا؟! فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذ سلمان الفارسي ثم قال: هذا وقومه، ولو كان الدين عند الثريا لناله رجال من هؤلاء (وفي لفظ: لناله رجال من فارس)".
وقال ابن كثير: "أي ها أنتم تدعون إلى الإنفاق في سبيل الله لإعلاء كلمته ونصرة دينه، فمنكم من يبخل بما دعي إليه، ومن يبخل فإنما يمنع نفسه الخير والثواب، والله هو الغني عن جميع خلقه، وأنتم الفقراء إليه المحتاجون لفضله في كل طرفة عين، وإن تتولوا عن طاعته وامتثال أمره يستبدل قوماً غيركم يكونون أطوع لله منكم، وأبذل في سبيله، لا يعصون أمره".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم هذا المقطع والختام الإلهي لسورة محمد! بعد أن بنى قواعد الجهاد، وميز الصفوف، وفضح النفاق، واستنهض العزائم للثبات؛ قرع الأسماع بهذا الميزان الوجودي الأكبر:
دين الله ليس محتاجاً إليكم ولا إلى أموالكم: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ}.
البذل والجهاد مكرمة وشرف وفرصة للعبد؛ فمن بخل فإنما يحرم نفسه من هذا الشرف.
وإذا تقاعس جيل أو تراجع قوم فلن يتعطل دين الله؛ بل ستتحرك سنة الاستبدال العظمى: {يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم بعض الأقوام أنهم عصبة الإسلام التي لا غنى للدين عنها:
المحاكمة والتحقيق السنني: سنة الاستبدال تقطع دابر كل غرور قومي أو قبلي أو حزبي؛ فالإسلام دين الله المحفوظ، والله غني عن كل جيل وعن كل أمة.
وقد صدق هذا الوعد القرآني عياناً عبر التاريخ؛ فلما تكاسل بعض العرب قيض الله الفرس، ثم السلاجقة، ثم الأيوبيين الأكراد، ثم المماليك، ثم الأتراك العثمانيين، وغيرهم من شعوب الأرض، فحملوا راية الإسلام وفتحوا الفتوح وحموا بيضة الدين؛ فالدين منصور برجاله الصادقين أياً كانت أنسابهم ولغاتهم.
الحصر بالقصر في قوله {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ}: تعريف الجزأين بال الجنسية والاستغراقية؛ لإفادة قصر الغنى الحقيقي المطلق على الله وحده، وقصر الفقر والحاجة الذاتية على عموم البشر.
التعدية بـ "عن" في قوله {يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ}: لم يقل "يبخل على نفسه"، بل قال "عن نفسه"؛ لتضمين معنى الصد والمنع؛ أي يمنع الخير المتوجه إلى نفسه فيحرمها الأجر.
اللمحة التدبرية الختامية: شرف خدمة الدين فضل يهبه الله لمن يشاء؛ فإذا وفقك الله للبذل والجهاد والعمل لدينه فاعلم أنك أنت المحتاج إليه لا هو المحتاج إليك، فاحمد الله على الاصطفاء واخشَ من سلب التوفيق والاستبدال.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والاستراتيجي: ترسيخ عالمية الإسلام وعدالته وتجاوزه لكل العصبيات القومية، وبيان أن راية الدين يحملها من يفي بحقها من أي عرق كان.
الأثر العملي والوجداني: السخاء في الإنفاق في سبيل الله بغير تردد، والمداومة على العمل للدين بنية صادقة وتواضع تام، والاستعاذة بالله من سنة الاستبدال، وسؤاله الثبات حتى الممات.