قوله تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ}، إطلاع إلهي لنبيه صلى الله عليه وسلم على مفاتيح معرفة المنافقين؛ إما بعلاماتهم الظاهرة، أو بنبرات كلامهم وفلتات ألسنتهم.
روى الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ١٢١-١٢٣)جامع البيانالطبري٢١/١٢١ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "ما خفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم منافق بعد نزول هذه الآية، كان يعرفهم في لحن القول".
وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في قوله: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} قال: "ببغضهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه".
وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: "ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه".
وقال ابن كثير: "لحن القول: هو مقاصد الكلام ونبراته وطريقته التي يميل فيها المتكلم عن الاستقامة؛ فالمنافق يظهر في ثنايا كلامه تعريضاً بالطعن في الدين أو همزاً ولمزاً بالمؤمنين وتثبيطاً عن الجهاد، فيعرفه الفطن الحصيف بأسلوبه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{لَأَرَيْنَاكَهُمْ}: الرؤية هنا بصرية؛ أي لأريناك شخوصهم بأعينهم وبصرك.
{بِسِيمَاهُمْ}: السيما العلامة والأمارة الظاهرة في الوجه والجسد، مقصورة وممدودة (سِيماء وسِيمياء).
{لَحْنِ}: اللحن في الأصل الميل والعدول عن الصواب، ولحن القول: أسلوبه ومخرجه المائل وفحواه ومغزاه وتعريضه وتلويحه.
التوجيه الإعرابي:
{وَلَوْ}: الواو استئنافية، لو حرف شرط غير جازم.
{نَشَاءُ}: فعل مضارع مرفوع، وفاعله مستتر تقديره نحن، والجملة فعل الشرط.
{لَأَرَيْنَاكَهُمْ}: اللام واقعة في جواب لو، أرينا فعل ماض ينصب مفعولين، و(نا) فاعل والكاف مفعول به أول والهاء مفعول به ثان والميم للجمع، والجملة جواب لو.
{فَلَعَرَفْتَهُم}: الفاء عاطفة لترتيب المعرفة على الرؤية، اللام للتأكيد، عرفتهم فعل وفاعل ومفعول به.
{بِسِيمَاهُمْ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بعرفتهم.
{وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ}: الواو عاطفة أو قسمية، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، تعرفن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره أنت، والهاء مفعول به والميم للجمع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص ينقل كشف النفاق من الاحتمال المعلق: {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ} إلى التحقق الجازم المؤكد بالقسم ونون التوكيد: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ}.
فإذا كانت مشيئة الله قد اقتضت ستر أعيان بعضهم لحكمة الابتلاء وإمهالهم للتوبة، فإن سنة الله جعلت كلامهم كاشفاً لحقيقة قلوبهم؛ لأن اللسان مغرفة القلب، ولابد أن يفيض بما فيه من ضغن أو إيمان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا لم يعين الله المنافقين بأسمائهم ليقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم ويستريح الصف منهم؟:
المحاكمة والسياسة الشرعية النبوية: ستر أسمائهم رحمة بالمجتمع؛ لئلا تتفكك الأسر والعشائر، ولإعطاء فرصة للتائبين منهم أن يرجعوا دون عار التعيين، ولأن الشريعة تقضي بالظواهر والله يتولى السرائر؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: "لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه".
ومع ذلك كشف الله صفاتهم وطريقة كلامهم (لحن القول)؛ ليكون المؤمنون على حذر ويقظة تامة من سمومهم وتثبيطهم دون إحداث فتنة داخلية.
الانتقال من الشرط الممتنع بـ "لو" إلى القسم المؤكد المؤصل: في قوله {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ}؛ لتقرير أن معرفتهم عبر فلتات ألسنتهم حتمية لا مدخل للشك فيها.
الإعجاز الصوتي والتحليلي في مادة {لَحْنِ الْقَوْلِ}: مصطلح لغوي نفسي معجز يلتقط نبرات السخرية، والتهكم المبطن، والتثبيط المغلف بالحرص، والتشكيك الناعم في ثوابت الدين.
اللمحة التدبرية: اللسان ترجمان القلب ومرآة السريرة؛ فمهما ادعى الإنسان نبل المقاصد بلسانه، فإن لحن قوله ونبرات حديثه ستكشف ما انطوت عليه جوانحه من حب للحق أو حقد عليه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والقيادي: تنمية الفراسة الإيمانية لدى القادة والدعاة؛ لتمييز المخلصين من المثبطين عبر أقوالهم ومواقفهم.