قوله تعالى: {وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ}، تمام الكرامة للشهداء والمؤمنين بإدخالهم دار الخلد والنعيم المقيم التي ألهمهم الله منازلهم فيها وأعلمهم بها حتى كأنهم سكّانها منذ الأزل.
روى البخاري في صحيحه (كتاب الرقاق، باب القصاص يوم القيامة، رقم ٦٥٣٥)مصدر غير محددحديث رقم ٦٥٣٥ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فوالذي نفس محمد بيده، لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا".
وقال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٨٤)جامع البيانالطبري٢١/٨٤ عن مجاهد وقتادة في قوله: {عَرَّفَهَا لَهُمْ}: "أي بينها لهم، فيهتدي أهلها إلى منازلهم ومساكنهم وقصورهم فيها لا يخطئون، كأنهم سكنوها منذ خلقوا، لا يستدلون عليها أحداً".
وقيل في معنى {عَرَّفَهَا لَهُمْ}: طيّبها لهم وزينها من العَرْف وهو الرائحة الطيبة الذكية؛ فطيب منازلهم بروائح المسك والعنبر ورياحين الجنان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{عَرَّفَهَا}: من التعريف وهو الإعلام والإبانة، أو من العَرْف وهو الرائحة الطيبة الذكية، يقال: طعام معرَّف إذا طُيّب بالطيب.
{الْجَنَّةَ}: البستان العظيم الملتف الأشجار، والمراد دار النعيم والخلود الأبدي.
التوجيه الإعرابي:
{وَيُدْخِلُهُمُ}: الواو عاطفة، يدخل فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر يعود على الله، والهاء مفعول به أول والميم للجمع.
{الْجَنَّةَ}: مفعول به ثان منصوب بالفتحة.
{عَرَّفَهَا}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر، والهاء مفعول به.
{لَهُمْ}: متعلقان بعرّف، وجملة عرفها لهم في محل نصب حال من الجنة أو من المفعول (الشهداء)، أو مستأنفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتابع النظم في رسم مراحل كرامة الشهداء:
مرحلة الحفظ والإبقاء: {فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ}.
مرحلة الهداية والسكينة: {سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ}.
مرحلة الاستقرار والخلود: {وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ}.
الجمع بين إدخال الجنة والاهتداء الذاتي إلى غرفها وقصورها دون أدنى تردد أو حيرة؛ إشارة إلى كمال التكريم والاستئناس التام بدار الكرامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الغربة والوحشة في الدار الجديدة:
المحاكمة والبيان: قد يخشى الإنسان في الدار الجديدة من الوحشة أو الجهل بمرافقها وطرقاتها، فأزال الله هذا التوهم بقوله: {عَرَّفَهَا لَهُمْ}؛ فالشهيد يدخل الجنة فيتوجه إلى قصره وغرفه وحوره ونعيمه وكأنه نشأ فيها وعاش فيها دهراً، مما يورث أقصى درجات الألفة والبهجة.
الإيجاز الإعجازي بكلمة {عَرَّفَهَا لَهُمْ}: كلمة واحدة استوعبت هداية المنازل، وتطييب المسالك بالروائح العطرة، والتآلف النفسي التام مع النعيم.
الالتفات الرقيق: بعد ذكر القتال وضرب الرقاب وأثقال الحرب، يفتح القرآن نافذة الفردوس العطرة؛ ليملأ أرواح المجاهدين بالشوق إلى ذلك النعيم المعرّف المضمون.
اللمحة التدبرية: من عرف الله في الدنيا بطاعته، عرّف الله له منزله في الجنة برحمته؛ والجزاء موصول بأصل المعرفة الإيمانية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: إيقاظ بواعث الشوق إلى الجنة ونعيمها الفردوسي في نفوس المؤمنين، لتهون في أعينهم تضحيات الدنيا وزخارفها الفانية.
الأثر الوجداني: التعلق بدار السلام، والعمل المستمر لنيل رضا الله، والدعاء بأن يجعلنا الله من أهل تلك المنازل المعرفة الميمونة.