قوله تعالى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}، تقرير لعدالة العقوبة السابقة وبيان لأصل الشقاء والخسران: إيثار سخط الله على رضوانه وبغض ما يرضيه.
قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ١١٩)جامع البيانالطبري٢١/١١٩: "يقول تعالى ذكره: هذا الضرب على الوجوه والأدبار وتوفي الملائكة لهم على هذا النعت المخزي، سببه أنهم اتبعوا ما يسخط الله عليهم من الكفر والنفاق وموالاة أعدائه ومعصية رسوله، وكرهوا رضوانه؛ كرهوا طاعته والعمل بما يحبه ويرضاه من الإيمان والجهاد والإخلاص، فأحبط الله بذلك أعمالهم الصالحة ومحا أثرها فلم يجدوا منها شيئاً".
وقال ابن كثير: "أي إنما استحقوا هذا العذاب المهين عند الاحتضار وما بعده، لأنهم آثروا ما يسخط الله على ما يرضيه، وكرهوا طاعته ورضوانه، فأحبط أعمالهم كلها".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{أَسْخَطَ}: السَّخَط بفتحتين والأسف، وهو الغضب الشديد وكراهية الشيء ومعاقبة فاعله، وسخط الله صفة فعلية ثابتة له تليق بجلاله.
{رِضْوَانَهُ}: الرضوان بكسر الراء وضمها، أقصى درجات الرضا والقبول والمحبة.
التوجيه الإعرابي:
{ذَٰلِكَ}: مبتدأ.
{بِأَنَّهُمُ}: الباء سببية، أن واسمها.
{اتَّبَعُوا}: فعل وفاعل وجملة اتبعوا خبر أن، والمصدر المؤول مجرور بالباء متعلق بخبر ذلك المحذوف.
{مَا أَسْخَطَ اللَّهَ}: (ما) اسم موصول مفعول به لاتبعوا، وأسخط فعل ماض فاعله مستتر والاسم الجليل مفعول به، والجملة صلة الموصول.
{وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ}: معطوف، كرهوا فعل وفاعل ورضوانه مفعول به ومضاف إليه.
{فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}: الفاء عاطفة سببية، أحبط فعل ماض فاعله مستتر وأعمالهم مفعول به ومضاف إليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تكرار قانون الإحباط للمرة الثالثة في السورة:
الأولى في الآية (١): {أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ}.
الثانية في الآية (٩): {كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}.
الثالثة هنا في الآية (٢٨): {اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}.
هذا التكرار النظمي المحكم يثبت المبدأ الأكبر للسورة: لا بقاء لعمل، ولا وزن لسعي، ما لم يكن مبنياً على طلب رضا الله والامتثال لما أنزل ومحبة شرعه؛ فمن اتبع سخط الله حبط عمله في الدنيا والبرزخ والآخرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الظلم في محو أعمال المنافقين وحرمانهم ثوابها:
المحاكمة والعدل الإلهي: العمل الصالح إنما يستحق الثواب إذا قصد به وجه الله ونيل رضوانه؛ فإذا كان الفاعل في باطنه يبغض رضوان الله ويكره شريعته ويتبع ما يسخطه، فكيف يطالب ربه بالأجر؟!
إحباط العمل هنا هو عين العدل والقسطاس المستقيم؛ فالجزاء ثمرة النية والاتباع، ومحبة الباطل تحرق كل حسنة سابقة كما تحرق النار يابس الحطب.
المقابلة التامة والطباق: بين {مَا أَسْخَطَ اللَّهَ} وبين {رِضْوَانَهُ}، وبين الاتباع الأول والكراهية الثانية؛ لتصوير الانتكاس التام لموازين القلب.
التعبير بلفظ {رِضْوَانَهُ}: صيغة تدل على سعة الرضا وعظمته؛ ففرارهم منه وكراهيتهم له غاية الخسران والحرمان.
اللمحة التدبرية: مدار سعادة العبد في الدارين أن يدور مع رضا الله حيث دار؛ فيحب ما يحبه الله ويرضاه، ويبغض ما يسخطه ويأباه، فإذا انقلب هذا الميزان حبطت الأعمال وخسر العبد دنياه وأخراه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):