روى البخاري في صحيحه (كتاب الرقاق، باب بعثت أنا والساعة كهاتين، رقم ٦٥٠٤)مصدر غير محددحديث رقم ٦٥٠٤ ومسلم في صحيحه (رقم ٢٩٥١)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٥١ عن سهل بن سعد وأنس بن مالك رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بُعِثْتُ أنا والساعةَ كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى".
قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ١٠١-١٠٣)جامع البيانالطبري٢١/١٠١: "يقول تعالى ذكره: فهل ينتظر هؤلاء المكذبون بمحمد الغافلون عن آيات الله إلا الساعة أن تفجأهم وتبغتهم على غرة وهم لا يشعرون؟! فقد جاءت علاماتها وأماراتها الدالة على قربها؛ ومن أشراطها بعثة خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، وانشقاق القمر، فكيف لهم إذا جاءتهم الساعة تذكرهم وتوبتهم وإيمانهم؟! هيهات، قد حان وقت الجزاء وفات أوان التوبة".
ونقل ابن كثير عن الحسن وقتادة: "أشراطها: أي علاماتها ودلائل قربها، ومن أعظم أشراطها مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن بلسان عربي مبين".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{يَنظُرُونَ}: الانتظار والترقب والتربص.
{بَغْتَةً}: فجأة على غير ميعاد وبلا استئذان ولا شعور مسبق.
{أَشْرَاطُهَا}: جمع شَرَط بالتحريك، وهو العلامة والأمارة الفارقة للشيء.
{فَأَنَّىٰ}: اسم استفهام استبعادي بمعنى من أين وكيف يكون لهم ذلك.
التوجيه الإعرابي:
{فَهَلْ}: الفاء استئنافية للتفريع، (هل) حرف استفهام إنكاري متضمن معنى النفي؛ أي ما ينتظرون.
{يَنظُرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء ملغاة.
{السَّاعَةَ}: مفعول به لينظرون منصوب بالفتحة.
{أَن تَأْتِيَهُم}: أن وما بعدها مصدر مؤول في محل نصب بدل اشتمال من الساعة؛ أي إتيانها بغتة.
{بَغْتَةً}: مصدر في موضع الحال منصوب بالفتحة؛ أي باغتة، أو مفعول مطلق.
{فَأَنَّىٰ}: الفاء عاطفة، أنى اسم استفهام في محل نصب على الظرفية المكانية أو خبر مقدم.
{لَهُمْ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر.
{إِذَا جَاءَتْهُمْ}: إذا ظرفية شرطية مضاف إليها الفعل والفاعل والمفعول.
{ذِكْرَاهُمْ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر، وهم مضاف إليه، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله؛ أي فكيف تنفعهم ذكراهم إذا فجأتهم القيامة؟!
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الإنذار ينحدر كالصاعقة بعد تشريح نفاق المنافقين وأمراض قلوبهم؛ فأنتم يا هؤلاء تتباطؤون، وتستهزئون بالوحي، وتؤجلون الإيمان، فماذا تنتظرون؟! هل تنتظرون قيام القيامة حتى تفجأكم؟!
الجمع البديع بين تقرير قرب القيامة بمجيء أشراطها، وبين إغلاق باب التذكر والتوبة حين مجيئها؛ لإلزام العقول بالمبادرة الفورية قبل غلق الأبواب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استبطاء وقوع القيامة رغم توالي القرون بعد نزول "فقد جاء أشراطها":
المحاكمة العقلية والزمنية: عمر الدنيا الكلي بملايين السنين يجعل الألف والألفين سنة كجزء يسير من اليوم في ميزان الله؛ فمبعث النبي الخاتم في آخر أطوار الزمان هو علامة على انتهاء فصول البشرية.
فضلاً عن أن "القيامة الصغرى" لكل إنسان هي موته؛ فمن مات قامت قيامته وانكشف عنه الغطاء، وموت الفرد يأتي بغتة دون استئذان، فكان الإنذار في غاية القرب والواقعية لكل حي.
الاستفهام الإنكاري التعجيبي {فَهَلْ يَنظُرُونَ...}: يصور حال الغافل الذي يقف متفرجاً كأنه لا يعنيه الخطر المحدق به حتى يبتلعه.
التعبير بـ {فَأَنَّىٰ لَهُمْ... ذِكْرَاهُمْ}: استبعاد مطلق لنفع أي توبة أو اعتراف بعد فوات الأوان، كقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ}.
اللمحة التدبرية: علامات الساعة نذر حية توقظ النائم؛ فمن رأى الشيب في رأسه، ورأى موت أقرانه، ورأى علامات الزمان تتلاحق، علم أن القطار يوشك على بلوغ المحطة الأخيرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: هدم ركيزة التسويف والتأجيل لدى الغافلين بتذكيرهم بمفاجأة الموت والساعة وأشراطها.
الأثر العملي والوجداني: سرعة التوبة والمبادرة بالأعمال الصالحة؛ فالحياة أنفاس معدودة، والساعة تأتي بغتة، ولا ينفع الندم إذا جاء الأجل.