قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىٰ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ}، تأكيد إلهي على مناعة هذا الدين وعصمته، وأن كيد المحاربين لن يضر الله ولا دينه مثقال ذرة، وأن سعيهم محكوم عليه بالبوار والإحباط.
قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ١٢٦)جامع البيانالطبري٢١/١٢٦: "يقول تعالى ذكره: إن الذين جحدوا توحيد الله، وصدوا الناس عن دين الله، وخالفوا رسوله وعادوه وحاربوه ونابذوه بالعداوة من بعدما تبين لهم بوضوح أنه نبي صادق، لن يضروا الله شيئاً بمشاقهم وكفرهم؛ لأن الله ناصر دينه ومظهر نبيه، وسيحبط أعمالهم؛ أي سيذهب كيدهم وسعيهم ويجعله هباءً ويثبت عليهم خزي الدارين".
وذكر ابن كثير: "نزلت في قريظة والنضير، أو في مشركي قريش يوم بدر، وهي عامة في كل من كفر وصد وشاق الرسول بعد وضوح الهدى له".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{شَاقُّوا}: المشاقة أصلها أن يكون الإنسان في شِقٍّ وجانب غير شق صاحبه وجانبه، والمراد هنا معاداته ومخالفته ومحاربته بعداوة سافرة.
{لَن يَضُرُّوا}: الضرر ضد النفع، ونفيه بـ "لن" يفيد التأبيد ونفي أي أثر ضار يلحق دين الله.
التوجيه الإعرابي:
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{الَّذِينَ}: اسم إن.
{كَفَرُوا}: صلة الموصول.
{وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ}: معطوف.
{وَشَاقُّوا الرَّسُولَ}: معطوف، شاقوا فعل وفاعل والرسول مفعول به.
{أَعْمَالَهُمْ}: مفعول به ومضاف إليه، وجملتا لن يضروا وسيحبط في محل رفع خبر إن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص ينزل برداً وسلاماً على قلوب المؤمنين الذين يخوضون معارك الجهاد وتثور من حولهم عواصف المشاقة والمؤامرات؛ ليقرر أن الله غني عن الخلق، وأن مشاقة الرسول لا تضر إلا أصحابها.
التكرار النظمي لمبدأ الإحباط: {وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ} يعود للمرة الرابعة في السورة؛ ليؤكد أن المشاقة والمعاداة للرسول عاقبتها الصفر المطلق والخسران المبين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة ظن أعداء الإسلام أنهم قادرون على القضاء على الدين وتجفيف منابعه:
المحاكمة العقلية واليقينية: دين الله يستند إلى القوة المطلقة لرب السماوات والأرض؛ والمخلوق الضعيف مهما جمع من جيوش وأموال وإعلام لا يستطيع أن يحجب نور الشمس، فكيف يطفئ نور الله المنبثق في الوجود؟!
قوله تعالى: {لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا} يرسخ الحقيقة العقدية الكبرى: الطاعة لا تنفع الله، والمعصية لا تضره، ولكن الإنسان بصلاحه ينفع نفسه، وبمشاقته يهلك ذاته ويحبط عمله.
التعبير بالمشاقة {وَشَاقُّوا}: تجسيد للبينونة والانعزال؛ فالخارج عن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم اختار لنفسه شقاً مهجوراً موحشاً في مواجهة شق الحق والنور.
التنكير في سياق النفي المؤبد {لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا}: يفيد استغراق نفي أدنى ذرة أو مثقال نملة من الضرر؛ مما يمنح المجاهدين ثقة مطلقة بأن الغلبة للحق.
اللمحة التدبرية: كل درهم أنفق لمحاربة الإسلام صار حسرة على صاحبه، وكل مؤسسة أقيمت للصد عن دين الله ستبيد، وسيحبط الله كل مكر باطل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: زرع الطمأنينة واليقين في نفوس الأمة؛ فالمستقبل لدين الله، وأعداء الملة هم الخاسرون المحبطون مهما انتفخ باطلهم.
الأثر العملي والوجداني: لزوم جانب الرسول صلى الله عليه وسلم ونصرة سنته، والحذر التام من أي قول أو عمل يدخل في شائبة المشاقة والمخالفة لأمره.