قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ}، قاعدة ربانية سننية خالدة في قانون الهداية الإلهية: من أقبل على الحق هداه الله ووفقه وزاده خيراً وتثبيتاً.
قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ١٠٠)جامع البيانالطبري٢١/١٠٠: "يقول تعالى ذكره: والذين وفقهم الله للهداية، فآمنوا بربهم وصدقوا رسوله وأقبلوا على سماع الحق بقلوبهم، زادهم الله بصيرة في دينهم، ونوراً في قلوبهم، وثباتاً على طاعته، وآتاهم تقواهم؛ أي وفقهم لأداء ما يتقون به عذابه واجتناب معاصيه، وألهمهم رشدهم".
وقال ابن كثير: "أي والذين قصدوا الهداية وفقهم الله لها وهداهم إليها، وثبتهم عليها وزادهم منها، وألهمهم رشدهم الذي يتقون به سخطه وعذابه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{اهْتَدَوْا}: افتعلوا من الهدى، والزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى؛ أي بذلوا جهدهم وسعيهم في طلب الهداية وقبول الحق.
{تَقْوَاهُمْ}: التقوى وقاية النفس من سخط الله وعقابه بامتثال أوامره واجتناب زواجره، وإيتاؤهم تقواهم إلهامهم إياها وتيسيرها لهم.
التوجيه الإعرابي:
{وَالَّذِينَ}: الواو عاطفة للمقابلة، اسم موصول مبتدأ.
{اهْتَدَوْا}: فعل ماض مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول.
{زَادَهُمْ}: فعل ماض ينصب مفعولين، والفاعل مستتر يعود على الله، والهاء مفعول به أول والميم للجمع.
{هُدًى}: مفعول به ثان منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها التعذر.
{وَآتَاهُمْ}: معطوف على زادهم، ينصب مفعولين، والفاعل مستتر والهاء مفعول به أول.
{تَقْوَاهُمْ}: مفعول به ثان منصوب بفتحة مقدرة، وهم مضاف إليه، وجملتا زادهم وآتاهم في محل رفع خبر المبتدأ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع هذا النظم المقابل للآية السابقة:
في المنافقين: غفلة وبلادة وطبع على القلوب واتباع للهوى: {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ}.
في المؤمنين الصادقين: إقبال وسعي في طلب النور وزيادة في البصيرة وإيتاء للتقوى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ}.
فالحياة لا تتوقف عند نقطة الصفر: إما صعود في مدارج الهداية والنور، وإما هبوط في دركات الطبع والظلمات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الجبر واستلاب إرادة العبد في الهداية والضلال:
المحاكمة العقلية والشرعية: الآية صريحة في إثبات كسب العبد واختياره وسعيه أولاً: {اهْتَدَوْا}؛ فالعبد بادر بالقصد الصالح والإصغاء للحق، فكافأه الله على هذا القصد بزايادة التوفيق والتثبيت: {زَادَهُمْ هُدًى}.
فالهداية تبدأ بخطوة إرادية من العبد تقابلها عطايا التوفيق الإلهي غير المحدودة؛ كما جاء في الحديث القدسي: "ومن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة".
المقابلة التامة بين أثرين: بين أثر مجالس الذكر على المنافق بالصمم والطبع، وأثرها على المؤمن بزيادة النور والتقوى.
التعبير بـ {آتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ}: إضافة التقوى إليهم إشعار بأن لكل مؤمن درجة ونصيباً من التقوى تلائم طاقته واستعداده، فوفقه الله لبلوغ أوج تلك المرتبة.
اللمحة التدبرية: العمل الصالح يلد عملاً صالحاً مثله؛ فالحسنة تنادي: أختي أختي، ومن ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن وفق لطاعة فُتحت له أبواب الطاعات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي: زرع الأمل في نفوس التائبين والباحثين عن الحق؛ فمن صدق في طلب الهداية تكفل الله بزيادته ونمائه وفتحه.
الأثر العملي والوجداني: المسارعة إلى الطاعات ومجالس العلم؛ لأنها سبب مباشر لفيض الهداية وتزكية النفس بحقائق التقوى.