قوله تعالى: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ}، نداء العزة والشجاعة والكرامة الإيمانية، ينهى الجماعة المؤمنة عن الضعف والاستكانة وطلب الهدنة الذليلة مع الأعداء وهم في مقام العزة والاستعلاء بالله.
قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ١٣١-١٣٣)جامع البيانالطبري٢١/١٣١ عن قتادة وابن عباس ومجاهد: "يقول تعالى ذكره للمؤمنين: فلا تضعفوا أيها المؤمنون وتجبنوا عن قتال عدوكم من المشركين، وتدعوهم إلى الصلح والمهادنة ذلاً وخوراً، والحال أنكم أنتم الأعلون عليهم بالقهر والغلبة والعزة ونصرة الله، والله معكم بنصره وتأييده ومعونته، ولن ينقصكم ولا يبخسكم من ثواب أعمالكم وجهادكم شيئاً".
وقال ابن كثير: "أي لا تضعفوا عن الأعداء ولا تطلبوا المهادنة والاستسلام وأنتم أصحاب الغلبة والعزة؛ لأن الله معكم بالتأييد والنصر، ولن يتركم أعمالكم؛ أي لن يظلمكم أجورها بل يوفيكم إياها وافرة تامة".
وقرأ الجمهور: {السَّلْمِ} بفتح السين وسكون اللام، وقرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة: {السِّلْمِ} بكسر السين، وهما لغتان بمعنى الصلح والمهادنة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{تَهِنُوا}: الوهن الضعف والخور والجبن والكسل.
{السَّلْمِ}: الصلف والمهادنة والمسالمة.
{الْأَعْلَوْنَ}: جمع الأعلى، وهو من العلو والرفعة والقهر والغلبة.
{يَتِرَكُمْ}: من الوَتْر وهو النقص والغبن؛ يقال وتَرَهُ حَقَّهُ إذا نقصه إياه وبخسه، وموتور من قُتل له قتيل فلم يُؤخذ بثأره.
التوجيه الإعرابي:
{فَلَا}: الفاء فصيحة، (لا) ناهية جازمة.
{تَهِنُوا}: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية بحذف النون، والواو فاعل.
{وَتَدْعُوا}: معطوف على تهنوا مجزوم بحذف النون، أو منصوب بأن مضمرة بعد واو المعية في جواب النهي.
{إِلَى السَّلْمِ}: متعلقان بتدعوا.
{وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ}: الواو حالية، أنتم ضمير منفصل مبتدأ، والأعلون خبر مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة في محل نصب حال مؤكدة لعزة المؤمنين.
{وَاللَّهُ مَعَكُمْ}: الواو حالية ثانية، مبتدأ وخبر في محل نصب حال تفيد المعية الخاصة بالنصر والتأييد.
{وَلَن يَتِرَكُمْ}: الواو عاطفة، لن ناصبة، يتر فعل مضارع منصوب بالفتحة، والفاعل مستتر يعود على الله، والكاف مفعول به أول والميم للجمع.
{أَعْمَالَكُمْ}: مفعول به ثان منصوب، والكاف مضاف إليه؛ أي لن ينقصكم ثواب أعمالكم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص ينفخ روح العزة والمضاء في صفوف المجاهدين؛ فبعد أن أمرهم بالطاعة ونهاهم عن إبطال الأعمال وبيّن خيبة الكافرين، حذرهم هنا من الوهن النفسي أو الضعف الميداني:
النهي عن الضعف: {فَلَا تَهِنُوا}.
النهي عن الاستسلام وطلب الصلح الذليل: {وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ}.
معية الله الخاصة معكم بالتأييد والنصر: {وَاللَّهُ مَعَكُمْ}.
ضمان الأجر التام دون أدنى بخس: {وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التناقض الظاهري بين هذه الآية وبين قوله تعالى في الأنفال: {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا}:
المحاكمة والتحقيق الفقهي والسياسي المحكم عند جماهير العلماء:
آية الأنفال: إذا كان العدو هو الذي طلب السلم ورغب في المهادنة العادلة وكان في ذلك مصلحة للإسلام والمسلمين فتقبل المهادنة صلحاً وعزة (كما وقع في صلح الحديبية).
آية محمد هنا: تنهى المسلمين عن المبادرة بطلب السلم والهدنة بدافع الوهن والجبن والخوف والاستكانة والعدو في موقف العدوان؛ لأن طلب السلم عند الوهن يكرس الهزيمة والذل، والواجب عندئذ الثبات والقتال استناداً لمعية الله وعلو المؤمنين.
الحالية المقوية للعزيمة في قوله {وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ}: الجمع بين هاتين الجملتين الحاليتين يعطي شحنة إيمانية لا تقف أمامها أي قوة مادية؛ فمن كان الله معه فكيف يهن؟! ومن كان دينه الأعلى فكيف يطأطئ رأسه للباطل؟!
البلاغة المعجزة في لفظ {وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ}: كلمة مفردة جزلة نفت كل أنواع النقص والبخس والإضاعة؛ فكل قطرة عرق وكل قطرة دم وكل خطوة في سبيل الله محفوظة عند الله موفاة الأجر.
اللمحة التدبرية: علو المؤمن علو ذاتي نابع من إيمانه بربه وتمسكه بالحق، حتى لو دارت عليه الدوائر في معركة عارضة؛ فالعاقبة له، والنصر حليفه، وهو المنتصر حياً أو شهيداً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه القيادي والجهادي: تحريم الانهزامية النفسية والاستسلام لمطالب الأعداء، والتمسك بالثوابت الشرعية وروح العزة في مواجهة الضغوط.
الأثر العملي والوجداني: استشعار معية الله في الشدائد، ومضاء العزيمة، واليقين بأن التضحيات لا تضيع عند الله: {وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ}.