قوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ}، تسلية ربانية لفؤاد النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإنذار مرعب لأهل مكة الذين أخرجوه وظلموه.
روى ابن جرير الطبري (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٩١)جامع البيانالطبري٢١/٩١ وابن أبي حاتم والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجراً إلى المدينة، وقف بالحَزْوَرَةِ والتفت إلى مكة وقال: والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت، فأنزل الله تعالى تسلية لنبيه ووعيداً لمكذبيه: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ}".
وقال ابن كثير: "يقول تعالى متوعداً لمشركي مكة في تكذيبهم لرسوله وسيد الرسل وخاتم الأنبياء: كم من أمة وقرية من الأمم الماضية المكذبة كانوا أشد بطشاً وأكثر مالاً ورجالاً من أهل قريتك يا محمد، أهلكناهم بالعذاب المستأصل، فما كان لهم من ناصر ينصرهم ويدفع عنهم عذاب الله، فكيف بهؤلاء الضعفاء من قريش إن أصروا على التكذيب والعناد؟!".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{وَكَأَيِّن}: كأين كلمة مركبة من كاف التشبيه وأي المنونة، وتفيد التكثير والتهويل؛ أي وكم من قرية كثيرة عظيمة.
{قَرْيَةٍ}: مجتمع سكاني، والمراد هنا أهل القرية وأصحابها.
{أَخْرَجَتْكَ}: ألجأتك إلى الخروج بالمطاردة والمؤامرة على القتل والحصار.
التوجيه الإعرابي:
{وَكَأَيِّن}: الواو استئنافية، كأين اسم كناية عن عدد كثير مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
{مِّن قَرْيَةٍ}: تمييز كأين مجرور بمن.
{هِيَ}: ضمير منفصل مبتدأ ثان.
{أَشَدُّ قُوَّةً}: خبر المبتدأ الثاني مرفوع بالضمة، وقوة تمييز منصوب، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل جر نعت لقرية.
{أَخْرَجَتْكَ}: فعل ماض مبني على الفتح والتاء للتأنيث والفاعل مستتر يعود على التي، والكاف مفعول به، وجملة الصلة لا محل لها.
{أَهْلَكْنَاهُمْ}: فعل ماض مبني على السكون و(نا) فاعل والهاء مفعول به والميم للجمع، وروعي المعنى في جمع الضمير لأن القرية تدل على أهلها، وجملة أهلكناهم في محل رفع خبر المبتدأ (كأين).
{فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ}: الفاء عاطفة، لا نافية للجنس، ناصر اسمها مبني على الفتح، ولهم خبرها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاءت هذه الآية بعد تقرير مصير الكفار في قوله: {وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} لتقرع رؤوس كفار مكة في الدنيا قبل الآخرة؛ فأنتم يا أهل مكة مغرورون بقوتكم وجبالكم وحرمكم، ولكن اعتبروا بمن كان قبلكم من عاد وثمود وفرعون؛ كانوا أشد منكم قوة فدمرناهم تدميراً.
التعبير بـ {قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ} تلطف نبوي وإكرام لسيد الخلق؛ فإسناد القرية إليه إضافة تشريف، وإسناد الإخراج إلى القرية تجسيم لجريمة أهلها الذين ضاقت صدورهم بوجود النور بينهم فألجأوه إلى الهجرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استقواء أهل مكة بحرمة البلد الحرام وظنهم أن الحرم يعصمهم من العقاب:
المحاكمة والبيان: بركة الحرم وحرمته إنما تثبت بتوحيد رب الحرم وإكرام رسوله؛ فلما كفروا وأخرجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم استحقوا العقوبة والنكال، ولولا بقية من مستضعفين مؤمنين بمكة لنزل بهم عذاب الاستئصال؛ ولكن الله أخرهم ليفتحها على يد نبيه صلى الله عليه وسلم عزة وفتحاً مبيناً.
المجاز المرسل في إسناد الإخراج إلى القرية: {قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ}؛ أطلق القرية وأراد أهلها المعاندين، وفي ذلك إشعار بأن أرض مكة وحجارتها وكأنها كرهت فعل كبرائها فنسب الفعل إليها لعظم الجناية.
التطمين النفسي النبوي الهائل: في إخباره بهلاك القرى العاتية الأشد قوة؛ إيذان بأن مكة ستفتح، وأن هؤلاء الصناديد المستكبرين مقهورون ومغلوبون لا محالة، وقد تحقق ذلك في بدر والفتح.
اللمحة التدبرية: لا تحزن إذا أخرجك الباطل من موطن تحبه؛ فإن الله يعوض الصادقين خيراً مما أخذ منهم، ويجعل العاقبة والنصر والتمكين لمن اتقى وصبر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تثبيت الدعاة في مراحل الاستضعاف والمطاردة؛ فإن الله ناصر دينه ومملك أوليائه ومخزي الظالمين مهما طال الأمد.
الأثر الوجداني: التواضع أمام قدرة الله، واستحضار أن القوة المادية الزائفة لا تغني عن أصحابها ذرة إذا حلت نقمة الله ونزل بأسه.