قوله تعالى: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ}، بيان إلهي لحقيقة الحياة الدنيا وزهادتها وتفاهة التشبث بها، وحث على الإيمان والتقوى مع بيان كرم الله بأنه لا يسأل عباده أموالهم كلها بل يطلب القليل ويثيب بالجزيل.
قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ١٣٤)جامع البيانالطبري٢١/١٣٤: "يقول تعالى ذكره: ما الحياة الدنيا العاجلة إلا لعب ولهو وغرور وزينة باطلة سرعان ما تزول، وإن تؤمنوا بالله ورسوله وتتقوا محارمه وفرائضه يؤتكم ثواب أعمالكم وافياً تاماً في جنات النعيم، ولا يسألكم ربكم أموالكم كلها فيجحف بكم، بل فرض عليكم فيها جزءاً يسيراً كالزكاة ونفقة الجهاد ليزكيكم بها".
وقال ابن كثير: "أي الدنيا حقيرة فانية لا بقاء لها، والدار الآخرة هي دار القرار؛ فإذا آمنتم واتقيتم أعطاكم أجوركم كاملة، ولم يطلب منكم أموالكم، بل طلب منها جزءاً يسيراً صدقة ونفقة في سبيله ليعود نفعها عليكم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{لَعِبٌ}: اللعب ما لا ثمرة له نافعة ولا غاية حميدة في العاقبة.
{وَلَهْوٌ}: اللهو ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه من معالي الأمور والآخرة.
{أُجُورَكُمْ}: ثوابكم ومنازلكم في الجنة المقابلة لإيمانكم وجهادكم.
التوجيه الإعرابي:
{إِنَّمَا}: كافة ومكفوفة أداة حصر.
{الْحَيَاةُ}: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الدُّنْيَا}: نعت للحياة مرفوع بضمة مقدرة للتعذر.
{لَعِبٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة.
{وَلَهْوٌ}: معطوف مرفوع.
{وَإِن}: الواو استئنافية، إن شرطية جازمة.
{تُؤْمِنُوا}: فعل الشرط مجزوم بحذف النون والواو فاعل.
{وَتَتَّقُوا}: معطوف مجزوم بحذف النون.
{يُؤْتِكُمْ}: جواب الشرط مجزوم بحذف حرف العلة (الياء)، والفاعل مستتر يعود على الله، والكاف مفعول به أول والميم للجمع.
{أُجُورَكُمْ}: مفعول به ثان منصوب، والكاف مضاف إليه.
{وَلَا يَسْأَلْكُمْ}: الواو عاطفة، (لا) نافية، يسألكم معطوف على يؤتكم مجزوم بالسكون، والكاف مفعول به أول.
{أَمْوَالَكُمْ}: مفعول به ثان منصوب، والكاف مضاف إليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص ينزع جذور الخوف والتردد والشح من القلوب بعد أمر الجهاد والنفقة؛ فما الذي يمنع الإنسان من الجهاد وبذل المال في سبيل الله؟!
إما حب البقاء في الدنيا: فرد الله بأن الدنيا فانية لعب ولهو لا تستحق التضحية بالآخرة من أجلها.
وإما الخوف على ضياع المال والفقر: فرد الله بأنه غني عن أموالكم، لا يطلبها كلها منكم، بل يطلب جزءاً يسيراً ويضاعف لكم الأجور العظيمة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل العبادات وعمارة الأرض في الدنيا لعب ولهو؟:
المحاكمة والتحقيق: قوله {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} وصف للدنيا المجردة عن الإيمان وطاعة الله؛ أي دنيا الشهوات الفانية والانشغال بالجاه والمال عن الآخرة.
أما ما كان في الدنيا من طاعة وذكر وطلب علم وبر وجهاد وعمارة للأرض بالحق، فهو من أمور الآخرة ومطايا الفلاح التي تثمر النعيم الأبدي؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلماً".