قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ}، البشارة العظمى لمعسكر الإيمان، والشهادة القرآنية الربانية الخالدة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، مع الوعد الإلهي الجامع بتكفير السيئات وإصلاح البال في الدارين.
قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٧٤)جامع البيانالطبري٢١/٧٤: "يقول تعالى ذكره: والذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا بطاعته وما أمرهم به، وصدقوا بالقرآن والحق الذي أنزله الله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الحق الذي لا ريب فيه من عند ربهم، محا الله عنهم ذنوبهم وسيئاتهم فلم يعاقبهم عليها، وأصلح شأنهم وحالهم في دنياهم وأخراهم، فجعلهم في أمن وطمأنينة وتوفيق ونصر".
وروى ابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد: "وأصلح بالهم: أي أصلح حالهم وشأنهم وأمرهم في دينهم ودنياهم".
وذكر ابن كثير: "عطف الإيمان بما نزل على محمد على الإيمان المطلق هو من باب عطف الخاص على العام؛ تنبيهاً على شرفه وأنه لا يصح إيمان بعد بعثته صلى الله عليه وسلم إلا بالإيمان به وبما أنزل عليه، وهو الحق الذي نسخ ما قبله وهيمن عليه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{مُحَمَّدٍ}: اسم مفعول من التكثير في الحمد، وهو الذي كثرت خصاله الحميدة حتى استحق كمال الحمد، وهو علم على خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم.
{كَفَّرَ}: التكفير الستر والمحو التام، وأصله من الكفر وهو التغطية.
{بَالَهُمْ}: البال لفظ عربي جامع للشأن، والحال، والقلب، والهمة، والفكر، ورخاء العيش وسكينته.
التوجيه الإعرابي:
{وَالَّذِينَ}: الواو عاطفة للمقابلة، اسم موصول مبتدأ.
{آمَنُوا}: صلة الموصول.
{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}: معطوف عليه، والصالحات مفعول به منصوب بالكسرة.
{وَآمَنُوا}: معطوف مؤكد ومخصص.
{بِمَا نُزِّلَ}: متعلقان بآمنوا، ونزل فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر يعود على القرآن.
{عَلَىٰ مُحَمَّدٍ}: متعلقان بنزل.
{وَهُوَ الْحَقُّ}: الواو حالية أو اعتراضية، مبتدأ وخبر في موضع الحال المؤكدة.
{مِن رَّبِّهِمْ}: متعلقان بمحذوف حال من الحق.
{كَفَّرَ عَنْهُمْ}: فعل ماض والفاعل مستتر يعود على الله، والجار والمجرور متعلقان بكفر.
{سَيِّئَاتِهِمْ}: مفعول به منصوب بالكسرة، والهاء مضاف إليه.
{وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ}: معطوف على كفر، وبالهم مفعول به ومضاف إليه، وجملة كفر عنهم سيئاتهم خبر المبتدأ (الذين).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة النظمية المذهلة بين الآيتين (١ و ٢):
في الكفار: {كَفَرُوا}، في المؤمنين: {آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}.
في الكفار: {وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ}، في المؤمنين: {وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ}.
تخصيص الإيمان بـ {مَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ} بعد ذكر الإيمان العام؛ لقطع دابر دعاوى أهل الكتاب ومنافقي المدينة الذين يزعمون الإيمان بالله والكتب السابقة دون الإذعان للرسالة المحمدية؛ فلا إيمان معتبر إلا باتباع محمد صلى الله عليه وسلم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كفاية الإيمان المجرد بالله دون لزوم الشريعة المحمدية:
المحاكمة العقلية والشرعية: قوله تعالى: {وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ} مفاصلة معرفية وتشريعية حاسمة؛ فالنبوة الخاتمة ناسخة لكل ما سبقها في الفروع ومصدقة ومهيمنة في الأصول، ومن رد رسالة خاتم الأنبياء فقد رد أمر الله وكذّب حكمته، فلا يقبل منه صرف ولا عدل.
الجملة الاعتراضية {وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ} تبرهن على أن الحق منحصر فيما نزل عليه، وما خالفه باطل وضلال.
إعجاز لفظة {وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ}: كلمة جمعت خيرات الوجود؛ إذ صلاح البال يستوعب طمأنينة القلب، وسكينة الروح، وزوال الهموم، وصلاح المعاش، وحسن الخاتمة، ورضا الله في الآخرة؛ فمن صلح باله فقد حيزت له السعادة بأسرها.
التنكير والإطلاق في الحق: {وَهُوَ الْحَقُّ} المعرّف بأل الجنسية والاستغراقية؛ أي الحق الكامل المستوعب لكل هداية وخير.
اللمحة التدبرية الإشارية: أصل شقاء البشرية واضطراب النفوس والقلق النفسي المعاصر ينبع من فساد البال بالبعد عن الوحي، ودواء ذلك كله في قوله: {وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ}؛ فالاتباع يورث انشراح الصدر وطيب العيش.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: دعوة الناس إلى شريعة الإسلام من مدخل "إصلاح البال" وصلاح النفس والمجتمع؛ فإن العالم يفتقر اليوم إلى السكينة النفسية والسلام الروحي.
الأثر العملي والوجداني: امتلاء القلب بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم سنته والحرص على تطبيق أوامره، واستشعار نعمة مغفرة السيئات وصلاح البال.