قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}، أمر قرآني تشريعي وتربوي حاسم بلزوم الطاعة المطلقة لله ولرسوله، والتحذير من إفساد الأعمال الصالحة وإحباط أجورها بالمعاصي أو الشرك أو الرياء والمن والأذى.
روى الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ١٢٧-١٢٩)جامع البيانالطبري٢١/١٢٧ عن ابن عباس ومجاهد والضحاك في تأويل قوله: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}: "أي لا تبطلوا حسناتكم بالرياء والنفاق، أو بالمن والأذى، أو بالشك والردة؛ فإن الشرك يحبط العمل".
وروى ابن جرير وأبو يعلى وغيرهما عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "كنا معشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا وهو مقبول حتى نزلت: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}، فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟! حتى قال بعضنا: الكبائر الموجبات، حتى نزل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ}، فأمسكنا عن ذلك ورجونا للمحسن وخفنا على المسيء".
واحتج فقهاء الحنفية بهذه الآية الكريمة على أن من شرع في عبادة نافلة كصلاة أو صيام لزمه إتمامها وحرم عليه إبطالها؛ لعموم قوله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{أَطِيعُوا}: الطاعة الانقياد والموافقة لأمر المطاع عن طواعية ورضا.
{تُبْطِلُوا}: الإبطال جعل الشيء باطلاً فاسداً لاغياً لا ثواب له ولا أثر.
{أَعْمَالَكُمْ}: مفعول به منصوب، والكاف مضاف إليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التوجيه الإلهي يأتي في غاية البراعة بعد أن ذكر الله إحباط أعمال الكفار والمنافقين في الآية السابقة: {وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ}؛ فتوجه الخطاب فوراً إلى المؤمنين: احذروا أن تسلكوا مسالكهم فتضل أعمالكم وتبطل كما بطلت أعمالهم، وحافظوا على حسناتكم بلزوم طاعة الله وطاعة رسوله.
تكرار فعل الأمر {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}؛ إشعار بأن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم واجبة مفترضة في كل ما أمر به ونهى عنه، وأن طاعته هي عين طاعة الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التحقيق العقدي عند أهل السنة والجماعة: الشرك والردة وحدهما يحبطان جميع الأعمال الصالحة بالكلية بنص القرآن: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}.
أما المعاصي والكبائر دون الشرك فلا تحبط أصل الإيمان ولا تحبط سائر الحسنات بالكلية عند أهل السنة، بل تنقص أجرها، أو تبطل ثواب العمل الذي اقترنت به (كالرياء في الصدقة، أو المن والأذى فيها)، ويبقى العبد تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له؛ والنهي في الآية: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} تحذير شديد من كل ما ينقص ثواب العمل أو يفسده بالردة أو الرياء والمن أو قطع الفريضة بعد الشروع فيها.
إعادة فعل الأمر {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}: تأكيد على حجية السنة النبوية واستقلالها بالتشريع، وأن من رد حكم الرسول فقد أبطل طاعته لله.
إضافة الأعمال إلى المخاطبين {أَعْمَالَكُمْ}: تذكير بأن هذا العمل هو رأس مالكم وكدّكم وتعبكم، والعاقل لا يضيع شقاء عمره بزلّة لسان أو رياء فاسد.
اللمحة التدبرية: بناء العمل الصالح يحتاج إلى صبر ومجاهدة، وإبطاله قد يحدث بكلمة منٍّ أو لحظة عجب؛ فالصيانة والمحافظة على العمل بعد أدائه أشد وأشق من ابتدائه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه التربوي: تعظيم حرمة الأعمال والعبادات، وتعويد النفس على الإخلاص والمداومة، وإتمام العبادة على أكمل الوجوه.
الأثر العملي والوجداني: حراسة الطاعات من شوائب الرياء والسمعة، وتجنب المن والأذى في الصدقات، والحرص على مطابقة السنة في كل حركة وسكون.