قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}، القاعدة الذهبية وسنة النصر الإلهية المحكمة التي تربط نصر الله للمؤمنين بنصرتهم لدينه وشريعته وتثبيت أقدامهم في الميادين.
قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٨٥)جامع البيانالطبري٢١/٨٥: "يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، إن تنصروا دين الله ورسوله وجهاد أعدائه بالقتال لإعلاء كلمته، ينصركم الله على عدوكم ويفتح لكم، ويثبت أقدامكم عند اللقاء ومصادمة الأعداء في معارك القتال حتى لا تفروا ولا تنهزموا".
وقال ابن كثير: "قوله: {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ} كقوله تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}، فالجزاء من جنس العمل، ونصر الله لعباده المؤمنين إنما يكون إذا قاموا بنصرة دينه وائتمروا بأوامره واجتنبوا نواهيه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{تَنصُرُوا اللَّهَ}: النصرة هنا نصرة دينه وكتابه وسنة نبيه وإعلاء كلمته؛ لأن الله غني عن العالمين منزه عن الحاجة إلى نصرة أحد.
{يَنصُرْكُمْ}: يعينكم ويغلبكم على أعدائكم ويجعل لكم العاقبة والظفر.
{يُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}: التثبيت إرساء الأقدام في مواطن الشدة والخوف فلا تزل ولا تتراجع.
التوجيه الإعرابي:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}: نداء للتنبيه والتكريم، يا حرف نداء، أي منادى مبني على الضم والهاء للتنبيه، والذين نعت أو بدل، وجملة آمنوا صلة.
{إِن}: حرف شرط جازم.
{تَنصُرُوا}: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بحذف النون، والواو فاعل.
{اللَّهَ}: مفعول به منصوب على التعظيم.
{يَنصُرْكُمْ}: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم بالسكون، والفاعل مستتر يعود على الله، والكاف مفعول به والميم للجمع.
{وَيُثَبِّتْ}: معطوف على ينصركم مجزوم بالسكون، والفاعل مستتر.
{أَقْدَامَكُمْ}: مفعول به منصوب بالفتحة، والكاف مضاف إليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النداء الإيماني ينبثق مباشرة بعد تفصيل قواعد القتال وجزاء الشهداء؛ ليضع القانون الكلي لحسم الصراع: النصر مشروط بالاستجابة والانقياد لله ورسوله.
الجمع البديع في جواب الشرط بين "النصر العام" و"تثبيت الأقدام الخاص": فالنصر هو الغاية والنتيجة الكبرى، وتثبيت الأقدام هو وسيلته النفسية والميدانية المباشرة؛ إذ الثبات في الميدان مفتاح النصر والظفر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يقال "إن تنصروا الله" والله هو القوي الغني العزيز؟:
المحاكمة العقلية واللغوية: النصرة هنا مجاز مرسل أو إطلاق للفظ الإله وإرادة دينه وشرعه وأوليائه؛ تشريفاً للمؤمنين ورفعة لشأن الدين حتى كأن نصرة الدين نصرة لله سبحانه.
والله غني بذاته عن خلقه، ولكن جعل نصرتهم لدينه سبباً للابتلاء ونيل الأجر وبناء العزة الإنسانية الحقة.
أسلوب الشرط والجزاء الحاسم: تعليق النصر على نصرة الدين يقطع كل أوهام التواكل والغرور؛ فلا نصر بالدعاء المجرد ولا بالأماني، بل بالبذل ونصرة منهج الله في واقع الحياة.
التعبير بتثبيت الأقدام {وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}: مجاز مرسل وكناية عن رباطة الجأش، وسكون الروع، والشجاعة الفائقة في أحلك اللحظات التي تطيش فيها الألباب وتزل فيها الأقدام.
اللمحة التدبرية: إذا رأيت الأمة مهزومة أو متراجعة فلا تتهم وعد الله الصادق، بل فتش في واقعها: هل نصرت الله في شريعته وأخلاقه ومعاملاته؟! فبقدر ما تقدم من نصرة الدين يفيض الله عليك من تأييده وتثبيته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ربط الأمة بأسباب التمكين الحقيقية؛ وهي نصرة الدين وتحكيم الشريعة والوحدة والاعتصام بحبل الله.
الأثر العملي والوجداني: الثبات على الحق والاستقامة في مواجهة الشدائد والشبهات والشهوات؛ فإن تثبيت الأقدام الإلهي هو حصن النجاة الأعظم في الفتن ومعارك الحياة.