قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ١١٦)جامع البيانالطبري٢١/١١٦: "يقول تعالى ذكره: إن هؤلاء المنافقين الذين رجعوا عن الإيمان إلى الشرك والكفر، وانكصوا على أعقابهم القهقرى بعدما تبين لهم بوضوح أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق من عند الله، الشيطان زين لهم خطاياهم وسهلها في نفوسهم، وأملى لهم؛ أي مد لهم في الأماني الباطلة وطول الأمل ووعدهم البقاء والظفر".
وقال ابن كثير: "أي فارقوا الإيمان ورجعوا إلى الكفران بعد وضوح الحق لهم، والسبب في ذلك أن الشيطان زين لهم سوء أعمالهم وخدعهم، ومد لهم في أعمارهم بالأماني والغرور حتى هلكوا".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{ارْتَدُّوا}: الارتداد الرجوع والنكوص، وأصله الانقلاب إلى الوراء.
{أَدْبَارِهِم}: جمع دُبُر وهو الخلف والوراء، والرجوع على الأدبار كناية عن الردة والانتكاس.
{سَوَّلَ}: التسويل تحسين القبيح وتزيينه وتسهيله في النفس حتى تشتهيه وتطلبه.
{وَأَمْلَىٰ}: الإملاء المد في الزمان والأجل والأماني الباطلة، وقرئ مبنياً للمجهول: {وَأُمْلِيَ لَهُمْ}؛ أي أملى الله لهم استدراجاً وإمهالاً.
التوجيه الإعرابي:
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{الَّذِينَ}: اسم إن مبني على الفتح في محل نصب.
{ارْتَدُّوا}: فعل ماض وفاعله والصلة لا محل لها.
{عَلَىٰ أَدْبَارِهِم}: متعلقان بارتدوا، وهم مضاف إليه.
{مِّن بَعْدِ}: متعلقان بمحذوف حال.
{مَا تَبَيَّنَ}: (ما) مصدرية أو موصولة، وتبين فعل ماض.
{لَهُمُ}: متعلقان بتبين.
{الْهُدَى}: فاعل تبين مرفوع بضمة مقدرة للتعذر، والمصدر المؤول مضاف إليه لبعد.
{الشَّيْطَانُ}: مبتدأ مرفوع بالضمة، أو فاعل لسول.
{سَوَّلَ لَهُمْ}: فعل ماض فاعله مستتر يعود على الشيطان وجار ومجرور، وجملة سول خبر الشيطان، وجملة الشيطان سول في محل رفع خبر إن.
{وَأَمْلَىٰ لَهُمْ}: معطوف على سول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص الشريف يشرح البداية السلوكية والنفسية للتحول الكارثي؛ فكيف يتحول الإنسان من سماع القرآن وحضور مجالس النبي صلى الله عليه وسلم إلى الردة والنفاق والموالاة للأعداء؟!
الثانية: التخدير بالأماني وطول الأمل والتسويف: {وَأَمْلَىٰ لَهُمْ}؛ فيغرق العبد في وهم السلامة حتى يقع في هاوية الردة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يرتد الإنسان بعد أن يتبين له الهدى بالبراهين القاطعة؟:
المحاكمة والتحقيق النفسي: مجرد المعرفة العقلية الذهنية المجردة لا تعصم الإنسان ما لم يقترن بها انقياد القلب واستسلام الإرادة؛ فإبليس كان يعلم صدق الله ورآه وعصى مستكبراً، وبلعام بن باعوراء أوتي الآيات فانسلخ منها واتبع هواه.
والانحراف يبدأ بتسويل الشيطان للشهوات الدنيوية والمصالح العاجلة، فإذا آثر العبد دنياه على دينه انقلب على عقبيه ولو كان يرى الحق كالشمس في رابعة النهار.
التصوير الحركي في {ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِم}: مشهد يجسد الجبن والتقهقر المخزي؛ فالفرار إلى الوراء على الأدبار سقوط وسفول بعد العزة والتقدم.
التأكيد على وضوح الحق {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى}: لإسقاط كل معاذيرهم؛ فلم تكن ردتهم لغموض في الرسالة أو التباس في الحجة، بل عن بصيرة وعناد.
اللمحة التدبرية: يا لفتنة طول الأمل وتسويل النفس! الشيطان لا يدعو العبد إلى الكفر الصريح دفعة واحدة، بل يسول له الخطوة الأولى، ويهون الذنب، ويمد له في الآمال حتى يسلبه دينه على غرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي: تحصين القلوب والنفوس من مداخل الشيطان وخطواته التدرجية، والتحذير من فتنة طول الأمل والركون إلى الدنيا.
الأثر العملي والوجداني: دوام الالتجاء إلى الله بالدعاء النبوي الشريف: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"، والاستعاذة الصادقة من الحور بعد الكور، ومن النكوص بعد الهداية.