قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ}، تصوير مشهدي أخروي فظيع لسكرات موت المنافقين والظالمين، حين تباشرهم ملائكة العذاب بالضرب والتقريع والإذلال الجسدي والنفسي عند انتزاع أرواحهم.
روى الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ١١٨)جامع البيانالطبري٢١/١١٨ عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة: "يقول تعالى ذكره: فكيف يكون حال هؤلاء المنافقين ومآلهم وندامتهم حين تقبض الملائكة أرواحهم عند الموت، فتضرب الملائكة وجوههم من أمامهم وأدبارهم وظهورهم ومآخيرهم بمقامع من حديد، ويقولون لهم: أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق".
وقال ابن كثير: "أي كيف يكون حالهم البائس ومقرهم المخزي إذا جاءت ملائكة الموت لقبض أرواحهم الخبيثة المستعصية في أجسادهم، فتضرب وجوههم وأدبارهم ضرباً أليماً مهيناً، ويُبشرون بالنار وغضب الجبار".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{تَوَفَّتْهُمُ}: التوفي هنا قبض الأرواح واستيفاء الأجل المضروب بالكامل.
{أَدْبَارَهُمْ}: الأدبار جمع دُبُر، وهو الظهر والمؤخرة، وقيل أستاههم.
{يَضْرِبُونَ}: الضرب إيقاع الألم الشديد باليد أو بأدوات العذاب.
التوجيه الإعرابي:
{فَكَيْفَ}: الفاء استئنافية، (كيف) اسم استفهام مبني على الفتح في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره "فكيف حالهم؟!"، أو حال لفعل مقدر؛ أي كيف يصنعون؟!
{إِذَا}: ظرف زمان للمستقبل مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل المقدر أو بالحال.
{تَوَفَّتْهُمُ}: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به والميم للجمع.
{يَضْرِبُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل نصب حال من الملائكة.
{وُجُوهَهُمْ}: مفعول به منصوب بالفتحة، وهم مضاف إليه.
{وَأَدْبَارَهُمْ}: معطوف منصوب، وهم مضاف إليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا المشهد الصادم هو الجواب المزلزل على تحالفهم السري المتقدم: {سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ}؛ فأنتم ظننتم أنكم بممالأة الأعداء تضمنون السلامة والأمن في الدنيا، فماذا تصنعون وكيف تفعلون إذا نزلت ملائكة الموت الغلاظ الشداد لتنتزع أرواحكم ضرباً وإذلالاً؟!
التحديد الموضعي للضرب: {وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ}؛ استيعاب لإحاطة العذاب بالأجساد من الأمام والخلف، وإهانة للوجه الذي هو موطن الكرامة الإنسانية، وللدبر الذي هو موضع الخزي والعورة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة عدم رؤية الحاضرين للمحتضر هذا الضرب الحسي للملائكة:
المحاكمة والتحقيق العقدي: عالم سكرات الموت والبرزخ عالم غيبي تنكشف فيه الحجب للمحتضر وحده؛ فيرى الملائكة ويباشر عذابهم ويذوق ألم ضربهم، بينما المحيطون به في الغرفة لا يبصرون ولا يشعرون، كما قال تعالى: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ}.
فالقدرة الإلهية طليقة لا تحكمها مدارك الحس المادي للبشر، وتكذيب الغيب لمجرد عدم رؤية الأحياء له هو عين الجهل والقصور العقلي.
الاستفهام التهويلي البالغ {فَكَيْفَ إِذَا...}: حذف الخبر أو الفعل المقدر لإفادة تفاقم الهول وبلوغ الفجيعة حداً تعجز العبارات عن وصفه.
التصوير الحركي للإذلال والتقريع: الضرب على الوجوه والأدبار يعكس المهانة المطلقة التي يقابل بها أولئك الذين استكبروا بوجوههم وخانوا الأمة بأدبارهم.
اللمحة التدبرية: يا لها من خاتمة مفزعة للمنافق الخائن! عاش يداري ويبتسم وينافق طلباً للأمان الزائف، وإذ بأول لحظة في سفر الآخرة تبدأ بسياط الملائكة وضرب الوجوه والأدبار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تذكير الغافلين بلحظة خروج الروح وسكرات الموت؛ فإنها حقيقة يقينية ستواجه كل إنسان لا محالة.
الأثر العملي والوجداني: الارتجاف والوجل من سوء الخاتمة، وسؤال الله تعالى حسن الوفاة ولقاء ملائكة الرحمة بالبشرى والريحان: "أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية".