قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا}، دعوة إلهية قاطعة للاعتبار الميداني بمصارع الأمم البائدة، مع إعلان سنة الدمار المحتومة التي تتربص بكل كافر ومعاند عبر التاريخ.
قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٨٨)جامع البيانالطبري٢١/٨٨: "يقول تعالى ذكره: أفلم يسر هؤلاء المكذبون بمحمد من مشركي قريش في الأرض، فينظروا بأعينهم إلى ديار من أهلكنا من الأمم قبلهم؛ كعاد وثمود وقوم لوط، كيف كانت عاقبة تكذيبهم لرسلهم؟! دمر الله عليهم؛ أي أهلكهم واستأصلهم وخرب ديارهم ومنازلهم وأهلك أموالهم وذراريهم، وللكافرين بمحمد أمثال تلك العاقبة من التدمير والهلاك إن لم يتوبوا ويؤمنوا".
وقال ابن كثير: "وقوله: {وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا}؛ أي ومثل تلك الوقائع والعقوبات والدمار مدخر ومعد لهؤلاء الكافرين ونظرائهم في كل زمان ومكان".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
يأتي هذا الاستدلال التاريخي ليربط بين ما قررته الآيات من سنن شرعية (النصر للمؤمنين والتعس للكافرين) وبين الوقائع التاريخية المحسوسة؛ ليرى الكفار أن هذا الوعد والوعيد ليس كلاماً نظرياً مجرداً، بل هو سنة مطردة سحقت عاداً وثمود وفرعون وأقفرت ديارهم.
التذييل الصاعق: {وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا}؛ نقل الإنذار من صيغة الماضي التاريخي إلى صيغة الحاضر والمستقبل؛ ليعلم كفار مكة ومن شايعهم أن الموت والدمار ينتظرهم إن استمروا على كفرهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المحاكمة العقلية والتاريخية: إمهال الله للكفار ليس إهمالاً، وسنن الله التاريخية تسير وفق آجال دقيقة؛ فالمعاندون السالفون تمتعوا بقواهم حتى إذا جاء أجلهم أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.
تشابه المقدمات يستلزم تشابه النتائج عقلاً؛ فبما أن قريشاً كفرت كما كفر السابقون وصدت كما صدوا، فإن سنة التدمير ماضية عليهم لا محالة: {وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا}.
التعدية بـ "على" في قوله {دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ}: حذف مفعول دمر وعدّي بعلى؛ ليفيد أن التدمير لم يقع على أبنيتهم فحسب، بل أطبق عليهم وعلى ديارهم وأموالهم ونفوسهم إطباقاً محيطاً أهلكهم عن بكرة أبيهم.
التنكير والإطلاق في {أَمْثَالُهَا}: لإفادة التهويل والعموم والاستغراق؛ أي أمثال تلك المثلات والعقوبات والنكبات مدخرة لكل كافر محارب.
اللمحة التدبرية: السير في الأرض بنور البصيرة يورث العظة والاعتبار؛ فالحجارة الصامتة وأطلال الأمم المهلكة تنطق للحي بأن الكفر طريق الهلاك، وأن العاقبة للمتقين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: توظيف عبر التاريخ والآثار المادية الشاهدة في إيقاظ الغافلين وتأكيد حتمية نصر الله لجنده.
الأثر العملي والوجداني: الحذر الشديد من مسالك الظالمين والمكذبين؛ لئلا ينال العبد نصيب من هذا الوعيد المروع: {وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا}.