قوله تعالى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ}، إعلان إلهي عظيم لمقام الولاية الخاصة بالمؤمنين، وانقطاع كل ولاية أو نصرة أو حبل نجاة عن الكافرين.
روى البخاري في صحيحه (كتاب المغازي، باب غزوة أحد، رقم ٤٠٤٣)مصدر غير محددحديث رقم ٤٠٤٣ عن البراء بن عازب رضي الله عنه في قصة أحد، حين أشرف أبو سفيان على المسلمين فقال: أفي القوم محمد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تجيبوه"، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: "لا تجيبوه"، ثم قال: أفي القوم عمر بن الخطاب؟ قال: "لا تجيبوه"، فلما لم يجيبوه افتخر وقال: اعلُ هُبل! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا تجيبونه؟" قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: "قولوا: الله أعلى وأجلّ"، فقال أبو سفيان: لنا العُزّى ولا عُزّى لكم! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا تجيبونه؟" قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم".
قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٨٩)جامع البيانالطبري٢١/٨٩: "يقول تعالى ذكره: هذا النصر للمؤمنين والتدمير للكافرين، سببه أن الله ولي المؤمنين وناصرهم وحافظهم ومرشدهم، وأن الكافرين بالله ورسوله لا ولي لهم ينصرهم ولا حليف يدفع عنهم بأس الله وعقابه".
وأوضح ابن كثير أن الولاية العامة لله تشمل جميع الخلائق بالخلق والرزق، أما الولاية الخاصة المذكورة هنا فهي ولاية المحبة والنصرة والتأييد والهداية والتوفيق، وهي مخصوصة بأهل الإيمان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{مَوْلَى}: المَوْلى لفظ يطلق على الناصر والمعين والمتولي للأمر والسيد المحب، وأصله من القرب والدنو، يقال: وَلِيَه إذا قَرُبَ منه.
التوجيه الإعرابي:
{ذَٰلِكَ}: اسم إشارة مبتدأ.
{بِأَنَّ اللَّهَ}: الباء حرف جر للسببية، وأن واسمها، والمصدر المؤول متعلق بخبر محذوف.
{مَوْلَى}: خبر أن مرفوع بضمة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر، وهو مضاف.
{الَّذِينَ آمَنُوا}: اسم موصول مضاف إليه، وصلته.
{وَأَنَّ الْكَافِرِينَ}: معطوف على أن الأولى، الكافرين اسم أن منصوب بالياء.
{لَا مَوْلَىٰ}: (لا) نافية للجنس تعمل عمل إن، مولى اسم لا مبني على فتح مقدر على الألف في محل نصب.
{لَهُمْ}: جار ومجرور في محل رفع خبر لا النافية للجنس، وجملة لا النافية للجنس واسمها وخبرها في محل رفع خبر أن الثانية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص الشريف هو التعليل النهائي والعلوي لكل ما سبق؛ فلماذا أضل أعمال الكفار؟ ولماذا كفّر عن المؤمنين سيئاتهم وأصلح بالهم؟ ولماذا وعد بنصر المؤمنين وتدمير الكافرين؟ الجواب الحاسم: لأن الله هو مولى المؤمنين، والكافرون لا مولى لهم!
هذا المقطع يملأ قلب المؤمن الصابر في معارك الحق بالطمأنينة المطلقة؛ فالمعركة ليست بين قوتين بشريتين متكافئتين، بل بين فئة مستندة إلى مولاها الحق وهو الإله القاهر، وفئة مقطوعة النسب الروحي لا ناصر لها ولا ظهير.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التناقض الظاهري بين نفي المولى هنا وبين قوله تعالى: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ} (الأنعام):
المحاكمة والتوفيق الأصولي المحكم: الولاية في القرآن نوعان:
الولاية العامة القدرية: ولاية الملك والخلق والتصرف والقهر والحساب؛ وهذه عامة لكل بر وفاجر ومؤمن وكافر، فالله مولاهم الحق ومالكهم وخالقهم الذي يردون إليه فيحاسبهم، ومنها آية الأنعام ويونس.
الولاية الخاصة الإكرامية: ولاية النصرة والتأييد والمحبة والتوفيق والجنة؛ وهذه منتفية تماماً عن الكافرين بنص هذه الآية: {وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ}؛ فليس لهم ناصر ينقذهم، ولا حبيب يدفع عنهم العذاب.
الجملة الاسمية لنفي الجنس {لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ}: تفيد النفي القاطع المستغرق لكل أنواع الولاية والنصرة والعون عن معسكر الكفر؛ فكل من يواليهم من قوى الأرض هباء زائل لا يسمى مولى على الحقيقة.
التشريف المطلق بلفظ {مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا}: إشعار بأن المؤمن في رعاية الله وكنفه، فمن كان الله مولاه فمن ذا الذي يغلبه أو يضيعه؟!
اللمحة التدبرية: هتاف أحد الخالد: "الله مولانا ولا مولى لكم" شعار العزة الإيمانية في كل زمان ومكان؛ به تنتعش الأرواح في ساعات البلاء، وتستعلي على كل قوى الطغيان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: زرع روح الاستعلاء بالإيمان في قلوب المستضعفين والمبتلين؛ فإن معيتهم وموالاتهم مع ملك الملوك وخالق الأكوان.
الأثر العملي والوجداني: صدق اللجوء إلى الله والتوكل عليه، وموالاة أوليائه المؤمنين، والبراءة من أعدائه؛ فإن من تولى الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون.