قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٨٦)جامع البيانالطبري٢١/٨٦: "يقول تعالى ذكره: والذين جحدوا توحيد الله وكذبوا رسوله، فتعساً لهم؛ أي سحقاً وهلاكاً وعثرة وسقوطاً على وجوههم، وأضل أعمالهم؛ أي أبطل كيدهم وسعيهم الذي سعوه في الكفر والعداوة".
ونقل ابن كثير عن ابن عباس: "التعس هو البعد والهلاك، وقال ابن زيد: التعس ضد الانتعاش؛ يقال تعس فلان إذا كبا على وجهه وعثر وسقط فلم ينتعش، وتعساً منصوب على المصدر؛ أي أتعسهم الله تعساً وأهلكهم إهلاكاً".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{تَعْسًا}: التعس في كلام العرب الكبو والانكباب على الوجه والسقوط والعثرة والردى، وهو نقيض الانتعاش والرفعة.
{أَضَلَّ}: أذهب وأحبط وجعل العمل هباءً ضائعاً.
التوجيه الإعرابي:
{وَالَّذِينَ}: الواو عاطفة للمقابلة، اسم موصول مبني على الفتح مبتدأ.
{كَفَرُوا}: صلة الموصول لا محل لها.
{فَتَعْسًا}: الفاء داخلة في الخبر لتضمن الموصول معنى الشرط، تعساً مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره "فتعسوا تعساً" أو "فأتعسهم الله تعساً"، وهو دعاء وخبر.
{لَّهُمْ}: جار ومجرور متعلقان بتعساً أو بمحذوف بيان.
{وَأَضَلَّ}: الواو عاطفة، أضل فعل ماض والفاعل مستتر يعود على الله.
{أَعْمَالَهُمْ}: مفعول به ومضاف إليه، وجملة وأضل أعمالهم معطوفة على الجملة الفعلية المقدرة العاملة في تعساً في محل رفع خبر المبتدأ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تكرار جملة {وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} في الآية الثامنة بعد أن افتتحت بها السورة في الآية الأولى؛ لتأكيد هذا الحكم وترسيخه في الأذهان، وبيان أن مصيرهم الحتمي لا فكاك منه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التناقض الظاهري بين "التعس" وقوة الكفار وهيمنتهم المادية المؤقتة:
المحاكمة والبيان: التعس القرآني حكم نافذ بالانكسار القلبي والخذلان الوجودي وسوء العاقبة؛ فالكافر مهما امتلك من سلاح ومال فهو في تعس داخلي، وقلق مقيم، وعثرة تقوده إلى حتفه وهلاكه.
والواقع التاريخي صدّق ذلك؛ فقد انتكست قريش وألقي صناديدها في قليب بدر بعد نزول هذه السورة بوقت يسير، وصار عزهم المزعوم ذلاً وتعساً وهباءً.
التعبير بالمصدر المنصوب على الدعاء والإخبار {تَعْسًا}: صيغة تدل على استحقاقهم لأبشع صور السقوط والانتكاس على الرؤوس والوجوه.
المشاكلة بين سقوط الأقدام في التعس وثباتها في النصر: مقابلة لفظية ومعنوية بارعة بين {يُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} وبين السقوط والعثرة الكامنة في مادة {تَعْسًا}.
اللمحة التدبرية: كل من حارب دين الله تعس وانتكس ولو علا في الأرض علواً كبيراً؛ فالعاقبة محتومة بالذل لكل من عادى العزيز الحكيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: طمأنة قلوب المؤمنين وزرع اليقين بزوال شوكة المستكبرين؛ فإن باطلهم محكوم عليه بالتعس والاضمحلال.
الأثر الوجداني: التعوذ بالله من التعس والانتكاس وسوء المنقلب، واستشعار نعمة الثبات والهداية في كنف الإسلام.