روى الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٩٨)جامع البيانالطبري٢١/٩٨ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان المنافقون يجلسون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمعون كلامه ولا يفقهون منه شيئاً لغفلتهم وتشاغلهم بالرياء والنفاق، فإذا خرجوا من عنده سألوا أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كابن مسعود أو ابن عباس أو حذيفة: ماذا قال آنفاً؟ أي ماذا قال الآن في هذا الوقت القريب؟! استهزاءً وسخرية وجهلاً، فأخبر الله أنهم مطبوع على قلوبهم متبعون لأهوائهم".
وذكر ابن كثير: "يخبر تعالى عن بلادة المنافقين وركاكة عقولهم وغفلة قلوبهم، يجلسون بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم يستمعون كلامه وتنزيل الوحي فلا يعقلون شيئاً، فإذا فارقوا المجلس سألوا العلماء من الصحابة استخفافاً وسخرية وتعامياً: ماذا قال هذا الرجل آنفاً؟!".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{آنِفًا}: اسم فاعل من أَنِفَ الشيء إذا ابتدأه واستأنفه، والمراد به الوقت القريب الذي مر وانقضى للتو، يقال: فعلت كذا آنفاً؛ أي في أول وقت يقرب منا.
{طَبَعَ}: الختم والإغلاق المحكم على القلب بحيث لا يدخله نور ولا يخرج منه باطل.
{مَاذَا}: (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسم موصول خبر، أو ماذا مفعول به مقدم لقال.
{قَالَ}: فعل ماض وفاعله مستتر، والجملة مقول القول.
{آنِفًا}: ظرف زمان منصوب متعلق بقال.
{أُولَٰئِكَ}: مبتدأ.
{الَّذِينَ}: خبر المبتدأ.
{طَبَعَ اللَّهُ}: فعل وفاعل وصلة الموصول.
{عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ}: متعلقان بطبع.
{وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ}: معطوف داخل في حيز الصلة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ينتقل السياق القرآني من وصف النعيم والجحيم والمفاصلة الكلية إلى تشريح الواقع الميداني للمجتمع المدني المسلم؛ إذ يوجد صنف خطر يحضر المجالس النبوية بجسده بينما قلبه غائب مغلق: صنف المنافقين.
المقابلة الصارخة في قلب المجلس: بين الصحابة الأبرار الذين أوتوا العلم وحفظوا الوحي وعقلوه، وبين المنافقين الذين يخرجون خاوين يسألون بتهكم وجهل: {مَاذَا قَالَ آنِفًا}!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة عدم انتفاع المنافقين بمجالسة النبي صلى الله عليه وسلم وسماع القرآن مباشرة من فمه الشريف:
المحاكمة العقلية والنفسية: الوحي نور وهداية كالمطر الطيب الذي ينزل على الأرض؛ فالأرض الطيبة تنبت الكلأ والعشب، والأرض السباخ الصخرية لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً.
ومجرد حضور المجالس الصالحة لا ينفع القلب إذا كان ممتلئاً بالهوى والشك والرياء؛ فلما حضروا بغير نية الاهتداء طبع الله على قلوبهم فصموا وعموا، فكان حضورهم حجة عليهم لا لهم.
تصوير الفراغ والتبلد في السؤال {مَاذَا قَالَ آنِفًا}: تعبير يجسد التشتت الذهني والاستهتار الصارخ؛ فكأن الكلام المعجز مر على آذانهم كالهواء لم يثبت منه حرف في عقولهم.
التشريف العظيم للصحابة الصادقين بوصفهم {الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ}: إشارة إلى أن الصحابة هم ورثة النبوة وأهل الفقه والعلم الحقيقيين الذين يُرجع إليهم في فهم الوحي.
اللمحة التدبرية: يا لخطورة الطبع على القلب! إذا عوقب القلب بالطبع صار يسمع كلام الله فلا يتأثر، ويبصر العبر فلا يعتبر، ويقضي عمره في مواطن الذكر وهو أبعد الناس عن التقوى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي: لزوم حضور القلب والتأدب التام في مجالس العلم وتلاوة القرآن، والحذر من التشاغل بالهواتف أو الفضول أو السخرية.
الأثر العملي والوجداني: سؤال الله تعالى دوماً أن يحيي قلوبنا بالإيمان، والتعوذ به من قسوة القلب وداء الطبع والغفلة.