قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ}، إعلان إلهي مؤكد بالقسم ونون التوكيد لسنّة الابتلاء العامة التي لا يستثنى منها أحد، لتمييز معادن الرجال وظهور المجاهدين والصابرين في واقع العيان.
قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ١٢٣-١٢٥)جامع البيانالطبري٢١/١٢٣: "يقول تعالى ذكره: ولنختبرنكم أيها المؤمنون بالقتال وجهاد أعداء الله، والفرائض الشاقة، والشدائد والمكاره، حتى يظهر المجاهدون منكم في سبيل الله والصابرون على مشاق أمره ونهائه، ونبلو أخباركم؛ أي نختبر أفعالكم وسرائركم فنظهرها للناس ليعلم الصادق من الكاذب".
وقرأ الجمهور: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ}، {حَتَّىٰ نَعْلَمَ}، {وَنَبْلُوَ} بنون العظمة، وقرأ رويس عن يعقوب وشعبة في رواية بالياء في الثلاثة: {وَلَيَبْلُوَنَّكُمْ}، {حَتَّىٰ يَعْلَمَ}، {وَيَبْلُوَ} إسناداً للفعل إلى اسم الله تعالى.
وروى ابن أبي حاتم أن الفضيل بن عياض كان إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: "اللهم لا تبتلنا؛ فإنك إذا بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{نَعْلَمَ}: العلم هنا علم الشهود والظهور الواقع في الأعيان الذي يترتب عليه الجزاء، لا علم الغيب الأزلي القديم.
{أَخْبَارَكُمْ}: جمع خَبَر، وهو ما يُنقل عن المرء من أقوال وأفعال وسير ومواقف.
التوجيه الإعرابي:
{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ}: الواو قسمية، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، نبلو فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره نحن، والكاف مفعول به والميم للجمع.
{حَتَّىٰ}: حرف غاية وجر.
{نَعْلَمَ}: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى، والفاعل مستتر تقديره نحن.
{الْمُجَاهِدِينَ}: مفعول به منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
{مِنكُمْ}: متعلقان بمحذوف حال من المجاهدين.
{وَالصَّابِرِينَ}: معطوف منصوب بالياء.
{وَنَبْلُوَ}: معطوف على نعلم منصوب بالفتحة الظاهرة على الواو، والفاعل مستتر.
{أَخْبَارَكُمْ}: مفعول به منصوب، والكاف مضاف إليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص هو القانون المنظم لمسيرة الأمة المسلمة؛ فلماذا شُرع القتال؟ ولماذا نزل التكليف الشاق؟ الجواب: لتحقيق غاية الابتلاء: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ}.
الجمع بين "المجاهدين" و"الصابرين": لأن الجهاد حركة وبذل وهجوم وإقدام، والصبر ثبات وتجلد وحبس للنفس عند الشدائد وحلول المكاره؛ فلا يستقيم الجهاد إلا بالصبر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة تجدد العلم الإلهي في قوله "حتى نعلم":
المحاكمة والتحقيق العقدي عند أئمة أهل السنة والجماعة (كالطبري، وابن تيمية، وابن كثير): علم الله أزلي قديم ومحيط بكل ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون؛ فهو يعلم من سيجاهد ومن سيتخلف قبل أن يخلق السماوات والأرض.
والمراد بقوله: {حَتَّىٰ نَعْلَمَ}: علم الظهور والشهود في عالم الواقع العيني؛ لأن الله تعالى بعدله المطلق لا يعاقب العباد ولا يثيبهم بمقتضى علمه القديم الغيبي بهم، بل بمقتضى ما يصدر منهم من أعمال حقيقية في دار الابتلاء والشهادة لتقوم الحجة عليهم بأفعالهم.
التوكيد بالقسم ونون التوكيد الثقيلة في {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ}: لتقرير أن الابتلاء قدر لازم لا مفر منه لكل مؤمن؛ فلا يظنن أحد أنه ينجو من الامتحان: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}.
التعبير بـ {وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ}: مجاز يصور وضع أعمالهم وأقوالهم تحت مجهر الاختبار الإلهي الدقيق ليظهر زيف كل دعوى باطلة.
اللمحة التدبرية: الابتلاء نعمة في ثوب محنة؛ به تُمحّص الصفوف، وتنكشف حقائق القلوب، ويُعرف الصادق من المتقاعس، ويرتقي المؤمن في درجات القرب من ربه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه التربوي: توطين النفس على تحمل الشدائد وأداء الواجبات، والاستعداد لتقلبات الأيام؛ فإن طريق الجنة محفوف بالمكاره.
الأثر العملي والوجداني: الوجل من الابتلاء وسؤال الله العافية والتثبيت، والصبر الجميل إذا نزل القضاء حتى نظهر أمام ميزان الله في زمرة المجاهدين الصابرين.