قال الطبري (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٧٥)جامع البيانالطبري٢١/٧٥: "يقول تعالى ذكره: هذا الفعل الذي فعلنا بالفريقين: من إضلالنا أعمال الكفار، وتكفيرنا سيئات المؤمنين وإصلاحنا بالهم، سببه أن الذين جحدوا توحيد الله اتبعوا الباطل؛ وهو الشيطان والشرك وما زين لهم من الضلال، وأن الذين صدقوا الله اتبعوا الحق؛ وهو القرآن والإسلام وما أنزل على محمد من ربهم، مثل هذا الضرب يضرب الله للناس أمثالهم ليعتبروا ويتدبروا مآل الفريقين".
وقال ابن كثير: "أي إنما أضللنا أعمال الكافرين وكفرنا عن الصالحين سيئاتهم وأصلحنا بالهم، لأن الكفار اتبعوا ما لا حقيقة له ولا ثبات، والمؤمنين اتبعوا الحق الثابت النازل من ربهم، وهكذا يوضح الله للناس أشباههم ومآلاتهم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{الْبَاطِلَ}: الساقط الزائل الذي لا حقيقة له ولا ثبات، وكل ما خالف الوحي وأمر الله فهو باطل.
{أَمْثَالَهُمْ}: جمع مثل، وهو الشبه والنظير والحال العجيبة التي يقاس عليها غيرها لبيان الحقائق.
التوجيه الإعرابي:
{ذَٰلِكَ}: اسم إشارة مبتدأ، والإشارة إلى ما تقدم من الجزاءين المتناقضين.
{بِأَنَّ}: الباء حرف جر للسببية، وأن حرف توكيد ونصب.
{الَّذِينَ كَفَرُوا}: اسم أن وصلته.
{اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ}: جملة فعلية خبر أن، والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها في محل جر بالباء متعلق بمحذوف خبر المبتدأ (ذلك).
{وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ}: معطوف على أن الأولى.
{مِن رَّبِّهِمْ}: متعلقان بمحذوف حال من الحق.
{كَذَٰلِكَ}: الكاف حرف تشبيه وجر، وذلك اسم إشارة مجرور متعلقان بنعت لمصدر محذوف؛ أي ضرباً مثل ذلك الضرب.
{يَضْرِبُ اللَّهُ}: فعل مضارع مرفوع، والاسم الجليل فاعل.
{لِلنَّاسِ}: متعلقان بيضرب.
{أَمْثَالَهُمْ}: مفعول به منصوب، والهاء مضاف إليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص يمثل قاعدة التعليل والبرهنة العقلية بعد تقرير الحكم في الآيتين السابقتين؛ فالله تعالى ينزه أحكامه عن التحكم الجزافي أو العبث، وإنما علل إضلال أعمال الكفر باتباعهم للباطل، وعلل فلاح المؤمنين باتباعهم للحق.
ختام الآية بـ {كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ} يبين غاية التنزيل: وهو ضرب النماذج والمقاييس البشرية الحية ليتأمل كل عاقل في أي الفسطاطين يقف وما هو مآل مساره.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نسبية الحق والباطل (النزعة السفسطائية والتفكيكية):
المحاكمة العقلية: تقسم الآية الوجود إلى شطرين لا ثالث لهما: حق ناصع ثابت يستند إلى وحي الرب الخالق المنعم، وباطل زائل يستند إلى أهواء النفوس ونزغات الشياطين.
والجمع بين النقيضين محال عقلاً؛ فلا يمكن أن يستوي من اتبع الحق ومن اتبع الباطل في مصير أو جزاء، وهذا من مقتضيات بديهة العقل ونواميس العدل الإلهي.
المقابلة الصريحة بين قطبي الوجود: {اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ} في مقابلة {اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ}؛ لترسيخ المفارقة وتصوير مآل من يركض خلف السراب ومن يستند إلى الركن الوثيق.
إضافة الحق إلى "ربهم" {مِن رَّبِّهِمْ}: تشريف للمؤمنين وتطمين لقلوبهم بأن ما هم عليه صادر من ربهم الذي رباهم بنعمته وهداهم برحمته.
اللمحة التدبرية: كل حركة في الحياة إنما هي اتباع؛ فالإنسان إما أن يكون متبعاً للحق المستنير فينجو ويصلح باله، أو متبعاً لباطل النفس والأهواء فيهلك ويضل سعيه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: مخاطبة العقول بالبراهين والعلل المنطقية لبيان عدالة الإسلام وضرورة الانحياز إلى معسكر الحق.
الأثر العملي والوجداني: عرض الأقوال والأعمال والنيات دوماً على ميزان الوحي؛ فما وافق القرآن والسنة فهو الحق المتبع، وما خالفهما فهو الباطل المطرح.