قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٩٢)جامع البيانالطبري٢١/٩٢: "يقول تعالى ذكره: أفمن كان على بصيرة وبرهان ويقين من دينه ومن أمر ربه وهو محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنون به، كمن زُين له عمله السيئ من الشرك وعبادة الأوثان ومعصية الله فرآه حسناً جميلاً، واتبعوا أهواءهم الباطلة وركبوها بغير هدى من الله؟! لا يستوون عند الله في حكم ولا جزاء ولا منزلة".
وقال ابن كثير: "أي لا يستوي هذا وهذا في ميزان العقل السليم؛ من هو على بصيرة ويقين من أمر ربه، كمن هو في الضلالات والجهالات والعمى، يرى القبيح حسناً لغلبة الهوى على قلبه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{بَيِّنَةٍ}: البينة هي الحجة الواضحة القاطعة والبرهان الساطع الذي يفصل بين الحق والباطل.
{زُيِّنَ}: التزيين تحسين القبيح في العين والقلب حتى يُظن خيراً، وهو من فعل الشيطان وأعوانه أو بقضاء الله وخذلانه.
{أَهْوَاءَهُم}: جمع هوى، وهو ميل النفس الأعمى إلى ما يلائم شهواتها بغير ميزان من الشرع والعقل.
التوجيه الإعرابي:
{أَفَمَن}: الهمزة للاستفهام الإنكاري، الفاء عاطفة، (مَن) اسم موصول في محل رفع مبتدأ.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص، واسمه مستتر تقديره هو.
{عَلَىٰ بَيِّنَةٍ}: جار ومجرور شبه جملة خبر كان، وجملة كان واسمها وخبرها صلة الموصول.
{مِّن رَّبِّهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه نعت لبينة.
{كَمَن}: الكاف حرف تشبيه وجر، (مَن) اسم موصول مجرور بالكاف، وشبه الجملة متعلق بمحذوف خبر المبتدأ؛ أي أفمن كان على بينة كائن أو مساوٍ لمن زين له سوء عمله.
{زُيِّنَ}: فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله.
{لَهُ}: متعلقان بزُيّن.
{سُوءُ عَمَلِهِ}: نائب فاعل مرفوع بالضمة، وهو مضاف وعمله مضاف إليه، وصلة الموصول لا محل لها.
{وَاتَّبَعُوا}: الواو عاطفة، اتبعوا فعل ماض وفاعله الواو، وروعي معنى الجمع في "من" بعد أن روعي اللفظ في الإفراد في "زُين له".
{أَهْوَاءَهُم}: مفعول به منصوب، والهاء مضاف إليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص ينقل المحاكمة إلى داخل النفس البشرية؛ ليريك الفرق الجوهري في البنية الإدراكية بين المؤمن والكافر:
المؤمن ينطلق من "البينة الإلهية": برهان، عقل، وحي، يقين.
الكافر ينطلق من "تزيين الباطل واتباع الهوى": خداع نفسي، انتكاس في المفاهيم، تعصب للشهوة.
ومن ثم كان التفريق بينهما في المصير فرعاً عن التفريق بينهما في منطلقات المعرفة وسلوك الحياة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التسوية بين المناهج الدينية واللادينية (دعوى المساواة المطلقة):
المحاكمة العقلية الصارمة: العقل ينكر بالبداهة التسوية بين من يبني حياته على الحجة والبرهان، ومن يبنيها على الوهم والهوى؛ فالمساواة بين المتناقضين جور عقلي وأخلاقي.
تزيين سوء العمل هو أعتى أمراض الانحراف الفكري؛ إذ المصيبة الكبرى ليست في ارتكاب المعصية مع الاعتراف بقبحها، بل في ارتكاب الفساد والكفر مع الاعتقاد بأنه حرية وتقدم ورقي: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}.
الاستفهام الإنكاري الدال على نفي التماثل: {أَفَمَن كَانَ... كَمَن زُيِّنَ}؛ أسلوب بلاغي يهز قناعات المعاندين ويجبرهم على الإقرار بالتفاوت الهائل.
التنويع البديع في الضمائر: راعى لفظ "مَن" في الإفراد: {لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ}، ثم راعى معناها في الجمع: {وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم}؛ للإشارة إلى تعدد الأهواء وتشتتها وتضاربها، في مقابل وحدة البينة الإلهية واستقامتها.
اللمحة التدبرية: أعظم نعمة يفيضها الله على عبده أن يبصره بالحقائق؛ فيرى الحق حقاً ويرزقه اتباعه، ويرى الباطل باطلاً ويرزقه اجتنابه، وأعظم خذلان أن يُقلب قلبه فيرى الباطل حقاً والحق باطلاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تأسيس الخطاب الدعوي على "البينة" والبصيرة؛ فالإسلام دين البرهان واليقين لا دين الدروشة والظنون.
الأثر العملي والوجداني: الحذر الشديد من اتباع الهوى؛ فالهوى يعمي ويصم ويزين القبيح، وسؤال الله دوماً الهداية والثبات ونور البصيرة.