روى الطبري (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٧٦-٨٢)جامع البيانالطبري٢١/٧٦ عن ابن عباس وقتادة والحسن والضحاك في تفسير الآية:
{فَضَرْبَ الرِّقَابِ}: أي اضربوا رقابهم بالسيف قتلاً في المعركة؛ لأن ضرب الرقبة أسرع في القتل وإيقاف شر المعتدي.
{حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ}: أي غلبتموهم وقهرتموهم وكثر فيهم القتل وأوهنتم شوكتهم وكسرتم بأسهم.
{فَشُدُّوا الْوَثَاقَ}: أي في الأسر، فأحكموا وثاق الأسير لئلا يفلت.
{فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً}: أي بعد الأسر والإثخان فالإمام مخير بحسب المصلحة العليا للإسلام والمسلمين: إما أن يمن عليهم بالعفو وإطلاق السراح بلا مقابل، وإما أن يفاديهم بمال أو بأسرى من المسلمين، وقيل نسخت بآية السيف، والصواب المحقق عند جماهير الفقهاء (مالك، الشافعي، أحمد، وأبي عبيد) أنها آية محكمة غير منسوخة، والإمام مخير بين القتل والاسترقاق والمن والفداء.
{حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا}: أي حتى تضع حرب المشركين أثقالها وسلاحها وينقادوا للإسلام أو العهد، وقيل حتى ينزل عيسى بن مريم ولا يبقى كفر على وجه الأرض.
{وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}: قرأ حفص عن عاصم وابن عامر وأبو جعفر: {قُتِلُوا} بضم القاف وكسر التاء مخففة، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي وحمزة: {قَاتَلُوا} بفتح القاف وألف بعدها؛ أي جاهدوا وقاتلوا فقُتلوا، فلن يبطل الله أجورهم ولا يضيع جهادهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{فَضَرْبَ}: مصدر ناب عن فعله يفيد المبالغة والحسم والسرعة.
{الرِّقَابِ}: جمع رقبة وهي العنق، والتعبير بها كناية عن القتل الصارم في الميدان.
{أَثْخَنتُمُوهُمْ}: الإثخان كثرة القتل والجراح حتى يثقل العدو ويعجز عن الحركة والقتال، مأخوذ من الشيء الثخين الغليظ.
{الْوَثَاقَ}: بفتح الواو وكسرها، ما يُشد به من حبل وقيد وأسر.
{أَوْزَارَهَا}: الأوزار الأحمال الثقيلة، وآلات الحرب وسلاحها.
التوجيه الإعرابي:
{فَإِذَا}: الفاء رابطة ومفرعة لأحكام الجهاد على تمايز الفريقين، (إذا) ظرف زمان متضمن معنى الشرط.
{لَقِيتُمُ}: فعل ماض وفاعله والميم للجمع، وجملة الصلة للموصول.
{الَّذِينَ كَفَرُوا}: مفعول به وجملة كفروا صلته.
{فَضَرْبَ}: الفاء واقعة في جواب الشرط، ضرب مفعول مطلق لفعل محذوف وجوباً تقديره "فاضربوا ضرب الرقاب".
{الرِّقَابِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{حَتَّىٰ}: حرف غاية وجر.
{إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ}: إذا ظرفية شرطية مضاف إليها الفعل والفاعل والمفعول.
{فَشُدُّوا الْوَثَاقَ}: الفاء رابطة، شدوا فعل أمر والواو فاعل، والوثاق مفعول به.
{فَإِمَّا مَنًّا}: الفاء للتفريع، إما حرف تفصيل وتخيير، مناً مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره "فإما تمنون مناً".
{بَعْدُ}: ظرف زمان مبني على الضم لانقطاعه عن الإضافة لفظاً لا معنى.
{وَإِمَّا فِدَاءً}: معطوف عليه منصوب.
{حَتَّىٰ تَضَعَ}: غاية زمانية، تنصب تضع بأن مضمرة بعد حتى.
{فَلَن يُضِلَّ}: الفاء داخلة في الخبر لشبه الموصول بالشرط، لن ناصبة، يضل مضارع، والفاعل مستتر يعود على الله.
{أَعْمَالَهُمْ}: مفعول به ومضاف إليه، والجملة خبر المبتدأ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص هو ذروة التشريع في "سورة القتال"؛ بعد أن بيّن أن الكفار يتبعون الباطل ويصدون عن سبيل الله، نقل المؤمنين من ميدان المناظرة الفكرية إلى ميدان المواجهة المادية العسكرية؛ لأن الباطل إذا استكبر وتسلح بالعدوان فلا يكسر شوكته إلا الجهاد الحاسم.
الترتيب المنهجي الدقيق:
أولاً: القتال الحاسم وكسر الشوكة: {فَضَرْبَ الرِّقَابِ}.
ثالثاً: التعامل القانوني والأخلاقي مع الأسرى: {فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً}.
رابعاً: الغاية الاستراتيجية: وضع أوزار الحرب وتحقيق العدل والأمان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم القسوة في قوله "فضرب الرقاب":
المحاكمة العقلية والعسكرية: ضرب الرقاب خاص بساحة القتال المباشر والالتحام الحربي عند مواجهة المقاتلين المعتدين؛ والرحمة بالمعتدي في ساحة الوغى خيانة للحق وجلب للإبادة لجماعة المؤمنين.
حسم المعركة بسرعة يقلل الخسائر البشرية العامة وينهي المعاناة؛ فإذا انكسرت شوكة العدو حرم القتل وجاء دور الإحسان: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً}.
شبهة: لماذا شرع الله القتال ولم يهلك الكفار بقدرته المباشرة؟:
الإجابة الإلهية الفذة في نفس الآية: {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ}؛ فالحكمة هي الابتلاء والتمحيص، وإظهار صدق المجاهدين، وتربية الأمة على التضحية والبذل، ونيل الشهادة، وإقامة موازين التدافع التي تحفظ الأرض من الفساد: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ}.
التعبير بالمصدر النائب عن فعله {فَضَرْبَ الرِّقَابِ}: يفيد السرعة الخاطفة والتركيز على الفعل الحاسم دون التفات للفاعل؛ لأن المقام مقام حزم ونجدة.
التشخيص المجازي في قوله {حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا}: استعارة تمثيلية بارعة؛ شبه الحرب بفرس هائج أو امرأة حامل تلقي حملها وتلقي أثقالها فتهدأ وتستقر؛ مما يصور رغبة الإسلام في الوصول إلى السلام العادل وإنهاء مآسي الصراع.
اللمحة التدبرية: الشهيد لا تموت أعماله؛ فكل من ضحى في سبيل الله أحيا الله أثره، ونمّى عمله، وأبقى ذكره، وضمن له الجنة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه التشريعي والدعوي: مراعاة الفقه السياسي والشرعي في إدارة الأزمات والحروب، والجمع بين القوة في الميدان والرحمة بالأسرى بعد انقضاء القتال.
الأثر العملي والوجداني: ترسيخ عقيدة الجهاد والتضحية بالنفس والمال نصرة لدين الله، واليقين بأن الشهادة اصطفاء وكرامة لا خسران فيها.