قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ١٣٠)جامع البيانالطبري٢١/١٣٠: "يقول تعالى ذكره: إن الذين جحدوا توحيد الله ورسالة نبيه، وصدوا الناس عن دين الإسلام، ثم أدركهم الموت وهم على كفرهم لم يتوبوا ولم يرجعوا، فلن يغفر الله لهم ذنوبهم أبداً، بل يخلدهم في نار جهنم أبداً؛ لأن باب التوبة يُغلق بالموت، ولا مغفرة لمشرك مات على شركه".
وقال ابن كثير: "هذا حكم قاطع من الله تعالى بأنه لا يغفر لمن مات كافراً به وبرسوله، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ}، فمن فارق الدنيا على الشرك فلا مطمع له في رحمة الله ولا سبيل له إلى النجاة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد الترتيب والتراخي، وهو تراخٍ زمني بين كفرهم وصدّهم وبين موتهم؛ مما يفيد إمهالهم مدة العمر للتوبة ففرطوا حتى فاجأهم الأجل.
{وَهُمْ كُفَّارٌ}: الواو حالية، (هم) مبتدأ، و(كفار) خبر مرفوع، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة في ماتوا؛ أي ماتوا متلبسين بالكفر.
{فَلَن يَغْفِرَ}: الفاء داخلة في الخبر لشبه الموصول بالشرط، لن ناصبة، يغفر مضارع منصوب.
{اللَّهُ}: فاعل مرفوع بالضمة.
{لَهُمْ}: متعلقان بيغفر، والجملة في محل رفع خبر إن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص يضع القيد الحاسم لمغفرة الذنوب؛ ففي سياق السورة فُتح باب المغفرة للمؤمنين: {وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ}، ولكن في حق الكافر الصاد: إذا مات على كفره حسم الأمر وسقطت شفاعة الشافعين واستحال نيل المغفرة.
تقييد الحكم بقوله: {ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ} فيه بشارة ضمنية لطيفة: أن من كفر وصد ثم تاب وآمن قبل الموت، فإن الله يقبل توبته ويغفر له ما سلف، كما تاب كثير من صناديد قريش بعد ذلك فصاروا من خيار الصحابة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة طلب الاستغفار أو الترحم على من مات مشركاً صريحاً:
المحاكمة العقدية والإجماع القطعي: دلت هذه الآية الصريحة مع نصوص القرآن المتواترة وإجماع سلف الأمة وخلفها على أنه لا يجوز بحال الاستغفار ولا الترحم على من مات على الكفر بعد علمه بالرسالة المحمدية؛ لأن الله حكم حكماً مبرماً: {فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}.
والدعاء بالمغفرة لمن مات كافراً ردٌّ على حكم الله واعتراض على سنته؛ فالرحمة والمغفرة الأخروية مخصوصة بأهل التوحيد.
الجملة الحالية {وَهُمْ كُفَّارٌ}: قيد جوهري حاسم؛ يبين أن العبرة بالخواتيم؛ فالموت على الكفر هو الذي يغلق باب المغفرة إلى الأبد.
التوكيد بـ {فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}: نفي قاطع يقطع كل حبال الرجاء ويصدم كل من يراهن على النجاة بغير التوحيد.
اللمحة التدبرية: ما دام النفس يتردد في الصدر فباب التوبة مفتوح، فإذا بلغت الروح الحلقوم وأدركه الموت على كفره طُويت الصحف وحل الخسران الأبدي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: سرعة دعوة غير المسلمين وإنقاذهم من الهلاك قبل أن يفاجئهم الموت على الكفر.
الأثر العملي والوجداني: شدة الخوف والوجل من سوء الخاتمة، والضراعة الدائمة إلى الله: "اللهم أحينا على الإسلام، وتوفنا على الإيمان، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين".