روى الإمام أحمد في مسنده (مجلد ٥، صفحة ٢٦)مصدر غير محدد٥/٢٦ والترمذي في سننه (رقم ٢٥٧١)مصدر غير محددحديث رقم ٢٥٧١ وحسنه عن معاوية بن حيدة القشيري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن في الجنة بحر الماء، وبحر اللبن، وبحر العسل، وبحر الخمر، ثم تُشقَقُ الأنهارُ بعدُ".
وقال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٩٣-٩٧)جامع البيانالطبري٢١/٩٣:
{غَيْرِ آسِنٍ}: أي غير متغير ولا منتن، بل هو عذب نقي صافٍ في غاية الطيب والصفاء.
{لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ}: لم يصر حامضاً ولم تنله عوارض ألبان الدنيا من الفساد والحموضة، بل طري لذيذ كأنه حُلب في ساعته.
{خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ}: خمر طيبة الطعم والرائحة، ليس فيها صداع ولا غَوْل ولا دَنَس ولا تسكر العقول كخمور الدنيا الخبيثة.
{عَسَلٍ مُّصَفًّى}: قد صُفي من الشمع والأقذار وما يخرج من بطون النحل، في غاية النقاء والحلاوة.
{وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ}: وفوق هذا النعيم المادي نالوا المغفرة والرضوان التام من ربهم.
{كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ}: تقديره: أمن كان في هذا النعيم كمن هو خالد في دركات الجحيم، وسقوا بدل الأنهار العذبة ماءً حميماً بالغاً أقصى درجات الغليان فقطع أمعاءهم ومزق أحشاءهم؟!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{آسِنٍ}: الآسن هو الماء الراكد المتغير المنتن بطول المكث، يقال: أَسِنَ الماءُ يَأْسَنُ إذا تغيرت ريحه وطعمه.
{لَّذَّةٍ}: مصدر وصف به للمبالغة؛ أي ذات لذة عظيمة ومستطابة عند الشاربين.
{مُّصَفًّى}: اسم مفعول من التصفية، وهو الخالص المنقى من كل شائبة وكدر.
{حَمِيمًا}: الحميم الماء المغلي البالغ نهاية الحرارة والغليان.
{أَمْعَاءَهُمْ}: جمع مِعَى، وهو ما في البطن من الحوايا ومجاري الطعام والشراب.
التوجيه الإعرابي:
{مَّثَلُ}: مبتدأ مرفوع بالضمة، وهو مضاف، والخبر محذوف تقديره "فيما يتلى عليكم"، أو ما بعده.
{مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ}: مبتدأ مؤخر أو متعلقان بمحذوف كائن، وكل مضاف والثمرات مضاف إليه.
{وَمَغْفِرَةٌ}: معطوف مرفوع.
{مِّن رَّبِّهِمْ}: نعت لمغفرة.
{كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ}: الكاف حرف تشبيه وجر، (من) موصول مجرور متعلق بخبر محذوف لمبتدأ مقدر تقديره: "أفمن كان في هذا النعيم كمن هو خالد في النار؟!".
{وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا}: معطوف على الصلة، ماء مفعول به ثان وحميماً نعت.
{فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ}: الفاء سببية، قطع فعل ماض فاعله مستتر يعود على الماء، وأمعاءهم مفعول به ومضاف إليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص ينقل الآفاق التصويرية إلى قمة الإعجاز النظمي القرآني:
الأنهار الأربعة تمثل أمهات أشربة الوجود البشري: الماء للحياة والطهور، اللبن للغذاء والنمو، الخمر للسرور واللذة، العسل للشفاء والحلاوة؛ فنفاها الله عن كل عيوب الدنيا وأثبت كمالها في الجنة.
تتويج النعيم المادي بالنعيم المعنوي الأعظم: {وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ}؛ ليعلم المؤمن أن أعظم نعيم الجنة هو نيل رضا الله وغفرانه.
المقابلة الصادمة الرهيبة في نفس الآية: بين لذة الأنهار الأربعة العذبة الرائقة، وبين الماء الحميم الذي يمزق الأمعاء تقطيعاً؛ لتهتز الأركان من هول التفاوت.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التناقض بين تحريم الخمر في الدنيا وإباحتها في الجنة:
المحاكمة والتحقيق الأصولي: خمر الدنيا حرمت لما يقترن بها من المفاسد العقلية والجسدية والاجتماعية؛ فالخمر الأرضية مسكرة للعقل، منتنة الرائحة، مورثة للصداع والأمراض، مجلبة للعداوة والبغضاء.
أما خمر الآخرة فقد نُزعت منها كل هذه المفاسد بنص القرآن: {لَّا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ}، وجعلت محض لذة صافية وبهجة روحية ونفسية تليق بدار القدس والنعيم؛ فتحريمها في الدنيا كان لصيانة العقل، وتفضيلها في الجنة تشريف للمتقين.
خمر: {لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ} (إثبات كمال الطعم واللذة ونفي الخبث).
عسل: {مُّصَفًّى} (نفي الكدر والأقذار).
التصوير الحسي المريع في قوله {فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ}: تصوير تمزق الأحشاء بفعل الحميم يترك أثراً وجدانياً زاجراً يخرس كل رغبة في المعصية.
اللمحة التدبرية: من صان جوارحه في الدنيا عن شرب الحرام وملاذ الشهوات الفاسدة، أجرى الله له في الجنة بحاراً وأنهاراً من النعيم الخالص المقيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: الجمع في الموعظة بين تشويق القلوب إلى الجنة بذكر أدق تفاصيل نعيمها، وبين تخويفها من عذاب النار بذكر أهوال شرابها؛ لتحقيق التوازن بين الخوف والرجاء.
الأثر العملي والوجداني: كف النفس عن الحرام، والتطلع المستمر إلى ذلك النعيم الأبدي، والاجتهاد في التقوى لنيل تلك المغفرة والخلود في الجنان.