قوله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ}، تحذير نبوي واستفهام تقريري حاسم للمنافقين ومتقلبي النفوس من مغبة التراجع عن الشريعة والإفساد في الأرض وقطيعة الأرحام إذا أوتوا السلطة والولاية أو إذا أعرضوا عن الجهاد.
قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ١١٠-١١٣)جامع البيانالطبري٢١/١١٠ عن قتادة في تأويل الآية: "يقول تعالى ذكره: فهل عسيتم يا هؤلاء المنافقون إن توليتم أمور الناس وحكمتم، أو توليتم وأعرضتم عن كتاب الله وطاعته ونفرتم عن الجهاد، إلا أن ترجعوا إلى جاهليتكم الأولى فتفسدوا في الأرض بسفك الدماء الحرام، وتُقطعوا أرحامكم بالظلم والقطيعة والبغي؟! وهذا شأن من ترك حكم الله واتبع هواه".
وروى البخاري في صحيحه (كتاب الأدب، باب صلة الرحم، رقم ٥٩٨٧)مصدر غير محددحديث رقم ٥٩٨٧ ومسلم في صحيحه (رقم ٢٥٥٤)مصدر غير محددحديث رقم ٢٥٥٤ عن عائشة وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الرحم شجنة من الرحمن، فقال الله لها: من وصلك وصلته، ومن قطعك قطعته"، وقرأ أبو هريرة: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ}.
وقرأ يعقوب ونافع في رواية: {وَتُقَطِّعُوا} بالتخفيف، وقرأ الجمهور بالتشديد للمبالغة والتكثير في القطيعة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الأول: التولي والإعراض والفرار من أمر الله والجهاد.
الثاني: ولاية الأمور وتسنم المناصب والحكم والسلطان.
{تُقَطِّعُوا}: التقطيع المبالغة في القطع والصرم والهجران، والأرحام جمع رحم وهي القرابة النسبية.
التوجيه الإعرابي:
{فَهَلْ}: الفاء استئنافية، (هل) حرف استفهام تقريري توبيخي.
{عَسَيْتُمْ}: عسى فعل ماض ناقص ناسخ، والتاء ضمير متصل في محل رفع اسمه والميم للجمع.
{إِن تَوَلَّيْتُمْ}: إن شرطية، وتوليتم فعل الشرط في محل جزم، وجملة الشرط معترضة بين اسم عسى وخبرها، وجواب الشرط محذوف دل عليه سياق خبر عسى.
{أَن تُفْسِدُوا}: أن وما بعدها مصدر مؤول في محل نصب خبر عسى؛ أي عسيتم الإفساد في الأرض.
{فِي الْأَرْضِ}: متعلقان بتفسدوا.
{وَتُقَطِّعُوا}: معطوف على تفسدوا منصوب بحذف النون والواو فاعل.
{أَرْحَامَكُمْ}: مفعول به منصوب، والكاف مضاف إليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التنبيه النبوي العظيم يكشف المآل الحتمي لمن يتخلى عن هدي الشريعة والجهاد؛ فالمنافقون يزعمون أنهم يريدون السلم والراحة بتخلفهم، فرد الله عليهم بأن بديل التمسك بالشريعة ليس السلام، وإنما هو السقوط في مستنقع الإفساد وسفك الدماء وقطيعة الأرحام التي كانت تأكل مجتمعاتهم في الجاهلية قبل الإسلام.
الجمع بين "الإفساد في الأرض" و"تقطيع الأرحام": لأن الإفساد جناية على المجتمع والأمة كلها، وقطيعة الأرحام جناية على الأسرة والوشيجة الإنسانية الصغرى؛ فتكامل التحذير من تخريب البنيان العام والخاص.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة زعم العلمانية والأنظمة الوضعية إمكانية صيانة الحقوق والصلات بغير هدي الوحي:
المحاكمة التاريخية والاجتماعية: الشريعة الربانية هي الضمانة الوحيدة لضبط شهوات النفوس ومنع طغيان الأقوياء وتماسك الأرحام؛ فإذا غاب حكم الله وحكمت الأهواء (توليتم) تحولت السلطة إلى أداة بطش وفساد ونهب للثروات وتفكيك للروابط الأسرية والإنسانية، وهو المشاهد عياناً في كل مجتمع نبذ شرع الله واتبع الهوى.
أسلوب الاستفهام الاستشرافي التحذيري {فَهَلْ عَسَيْتُمْ}: يفتح عين المخاطب على المستقبل الأسود الذي ينتظره إن زاغ عن الصراط؛ ليرتدع قبل فوات الأوان.
صيغة التفعيل في {وَتُقَطِّعُوا}: تدل على شراسة الجفاء وتتابع الهجران والعدوان داخل الأسرة الواحدة حين تموت التقوى في القلوب.
اللمحة التدبرية: الشريعة جاءت لحفظ أواصر المحبة والرحمة؛ فبر الوالدين وصلة الأرحام من أقدس أركان البناء الإسلامي، والتهاون فيهما علامة على خراب القلب وانتكاس الفطرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والاجتماعي: التشديد على صيانة الأرحام والتحذير من الخصومات الأسرية وقطيعة الأقارب، وإبراز أن قطيعة الرحم مفسدة كبرى توازي الإفساد في الأرض.
الأثر العملي والوجداني: المبادرة بصلة من قطعك، والإحسان إلى ذوي القربى، وتطهير النفس من رواسب الجفاء؛ طمعاً في صلة الرحمن وبركته.