قوله تعالى: {إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ}، تشريح نفسي عميق لطبيعة الشح الكامنة في الجبلة البشرية، وبيان لحكمة التشريع الإلهي في التخفيف عن العباد.
قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ١٣٥)جامع البيانالطبري٢١/١٣٥: "يقول تعالى ذكره: إن يسألكم ربكم أموالكم كلها فيلحف عليكم في المسألة ويجهدكم بأخذها منكم، تبخلوا بها وتمنعوها شحاً وضناً، ويخرج ذلك البخل والإلحاف أحقادكم وكراهيتكم لما كُلفتم به؛ لأن خروج المال يشق على النفوس ويظهر مكنون أضغانها".
وقال قتادة: "قد علم الله أن في مسألة الأموال وإخراجها كراهية وضغناً، فلم يسألهم أموالهم كلها، بل فرض عليهم زكاة يسيراً من كثير رحمة بهم".
وقال ابن كثير: "الإحفاء هو الإلحاح والجهد؛ أي لو ألزمكم بإخراج جميع ما تملكون لأظهر ذلك بخلكم، وخرجت أضغانكم على الشريعة؛ فمن رحمته أنه لم يوجب إلا اليسير من الأموال لتطهير النفوس لا لإعناتها".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{يُحْفِكُمْ}: الإحفاء الاستقصاء والمبالغة والإلحاح الشديد وبلوغ الغاية في الطلب، مأخوذ من أحفى دابته إذا جهدها في السير حتى رق خفها وحَفِيَت.
{تَبْخَلُوا}: البخل منع ما يجب بذله والضن بالمال.
{أَضْغَانَكُمْ}: أحقادكم وغشكم وكراهيتكم للتكليف.
التوجيه الإعرابي:
{إِن}: حرف شرط جازم.
{يَسْأَلْكُمُوهَا}: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بالسكون، والفاعل مستتر يعود على الله، والكاف مفعول به أول والميم للجمع والواو لإشباع الضمة، والهاء مفعول به ثان.
{فَيُحْفِكُمْ}: الفاء عاطفة للتعقيب والسببية، يحفكم معطوف على يسألكم مجزوم بحذف حرف العلة (الياء)، والفاعل مستتر والكاف مفعول به والميم للجمع.
{وَيُخْرِجْ}: معطوف على تبخلوا مجزوم بالسكون، وقرئ بالياء: {وَيَخْرُجْ أَضْغَانُكُمْ} على الفاعلية، وفي قراءة الجمهور الفاعل مستتر يعود على البخل أو الإحفاء أو الله سبحانه.
{أَضْغَانَكُمْ}: مفعول به منصوب، والكاف مضاف إليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص الشريف يبرهن على كمال الحكمة والرحمة في التشريع الإسلامي:
الله يعلم ضعف النفوس وحبها للمال: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا}.
فلو طلب الله من العباد أموالهم كلها لانفجرت عواطف الشح والبخل وخرجت الأضغان المستترة.
فكان التخفيف بطلب القليل (ربع العشر في الزكاة مثلاً) صيانة للنفوس من الوقوع في كراهية التكليف، ومراعاة للطاقة البشرية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نسبة إخراج الأضغان إلى الله في مقام التشريع:
المحاكمة والبيان: الآية وردت في سياق الامتنان بترك الإحفاء؛ أي من رحمة الله بكم أنه لم يفعل ذلك لئلا يخرج أضغانكم؛ فالشرط مفروض فرضاً لبيان لطف الله بالعباد وعدم تكليفهم بما يورث الشح والكراهية.
وفيه إعجاز نفسي صريح يربط بين حركة المال في الجيب وبين كوامن المشاعر في القلب؛ فالمال عصب الحياة ومسّه بالعنت يظهر معادن النفوس.