قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ١٠٨)جامع البيانالطبري٢١/١٠٨: "يقول تعالى ذكره: ويقول المؤمنون المخلصون رغبة في الجهاد واشتياقاً لثوابه: هلا أُنزلت سورة من السماء تأمرنا بقتال أعداء الله، فإذا أنزل الله سورة محكمة؛ أي مبينة مفروضة لا متشابه فيها ولا منسوخ، وفُرض فيها القتال صريحاً، رأيت يا محمد الذين في قلوبهم شك ونفاق وضعف إيمان، ينظرون إليك شزراً نظر الجبان الذي غشيته سكرات الموت من شدة الفزع والهلع، فأولى لهم؛ أي فويل لهم وعذاب قاربهم وأحاط بهم".
وقال ابن كثير: "المؤمنون يتشوقون إلى نزول الأوامر والجهاد، فإذا نزلت السورة القاطعة بفرض القتال انتكست قلوب المنافقين واصفرت وجوههم وزاغت أبصارهم كمن يعاين ملك الموت، وهذا غاية الجبن والخور والنفاق".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{لَوْلَا}: حرف تحضيض وتمنٍّ؛ أي هلا.
{مُّحْكَمَةٌ}: المحكم هو المتقن البين الواضح الفرض الذي لا يحتمل تأويلاً ولا نسخاً.
{مَّرَضٌ}: المرض هنا الشك والنفاق والجبن المفسد للباطن.
{الْمَغْشِيِّ}: اسم مفعول من الغَشْي، وهو تغطية العقل بالحيرة والفزع والذهول الشديد.
{فَأَوْلَىٰ لَهُمْ}: كلمة وعيد وتهديد في لغة العرب معناها: قاربك ما يهلكك والويل أقرب إليك.
التوجيه الإعرابي:
{وَيَقُولُ}: الواو استئنافية، يقول فعل مضارع مرفوع بالضمة.
{الَّذِينَ آمَنُوا}: اسم موصول فاعل وصلته.
{لَوْلَا}: حرف تحضيض.
{نُزِّلَتْ سُورَةٌ}: فعل ماض مبني للمجهول، وسورة نائب فاعل مرفوع، والجملة مقول القول.
{فَإِذَا}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب، إذا ظرفية شرطية حينية.
{أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ}: فعل مبني للمجهول ونائب فاعل ونعت، ومضاف إليه لإذا.
{وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ}: معطوف، القتال نائب فاعل لذكر.
{يَنظُرُونَ إِلَيْكَ}: فعل وفاعل وجار ومجرور، والجملة في محل نصب حال من الذين.
{نَظَرَ}: مفعول مطلق منصوب بالفتحة، وهو مضاف.
{الْمَغْشِيِّ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{عَلَيْهِ}: نائب فاعل للمغشي أو متعلقان به.
{مِنَ الْمَوْتِ}: متعلقان بالمغشي، ومن سببية؛ أي غُشي عليه بسبب سكرات الموت.
{فَأَوْلَىٰ}: الفاء فصيحة، أولى مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة، أو اسم فعل للمقاربة والوعيد.
{لَهُمْ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ؛ أي الويل والهلاك أقرب لهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم يمثل ذروة التصوير الحركي للمفاصلة الميدانية؛ فالأقوال في أوقات السعة والرخاء سهلة يدعيها الجميع، ولكن المحك الحقيقي الذي يمايز الصفوف هو نزول سورة محكمة تفرض القتال وتتطلب التضحية بالدم والنفس.
التقابل الرائع بين صدق شوق المؤمنين للجهاد: {لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ}، وبين الانهيار النفسي المريع للمنافقين: {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ}؛ ليميز الله الخبيث من الطيب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة دعوى المنافقين للإيمان وحرصهم على الصلاة:
المحاكمة والتحقيق النفسي: الإيمان ليس مجرد حركات شكلية يؤديها المرء في المسجد نفاقاً ورياء؛ بل الإيمان الحقيقي هو الاستسلام والانقياد لأمر الله حين تتعارض التكاليف مع راحة النفس وحب البقاء.
ونظرة الهلع والزوغان التي تعلو وجوههم برهان قاطع على خواء قلوبهم من يقين الآخرة وتجردهم من التوكل على الله؛ فمن أيقن بالجنة لا يخاف من الشهادة في سبيل الله.
التشبيه التمثيلي الحسي الخارق: {نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ}؛ رسم لوحة تشخيصية بارعة لعين الجبان الزائغة المحدقة في ذهول ورعب، وقد تجمدت أطرافه واصفر لونه، كالمحتضر الذي يعالج سكرات الموت، وهو أبلغ تصوير لخور العزيمة.
التنكير في {سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ}: للتعظيم والتفخيم لثبوت حكمها وقطعيته.
اللمحة التدبرية: الابتلاء بالأوامر الشاقة هو مصفاة القلوب؛ فكم من مدّعٍ للفضل في الرخاء يفضحه أول موقف يتطلب التضحية والبذل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه التربوي: تربية النفوس على الشجاعة والامتثال المطلق لشرع الله، والتخلص من داء الجبن والخور الذي يورد المهالك.
الأثر العملي والوجداني: الصدق مع الله في السر والعلن، وسؤال الله الثبات عند لقاء الأعداء ومصادمة الشدائد.