قوله تعالى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ}، كشف استخباراتي قرآني معجز للمؤامرات السرية والتحالفات الخفية بين منافقي المدينة وأعداء الملة من اليهود والمشركين.
قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ١١٧)جامع البيانالطبري٢١/١١٧: "يقول تعالى ذكره: هذا التسويل والإملاء والردة التي حلت بهؤلاء المنافقين، سببها أنهم قالوا سراً في مجالسهم الخاصة لليهود من قريظة والنضير الذين كرهوا ما نزل الله على محمد: سنطيعكم في بعض الأمر؛ أي في التثبيط عن الجهاد، ومعاونتكم على محمد وأصحابه، وإفشاء أسراره إليكم، والله يعلم إسرارهم وخفايا مؤامراتهم ولا يخفى عليه شيء من مكرهم".
وقرأ حمزة والكسائي وحفص: {إِسْرَارَهُمْ} بكسر الهمزة مصدراً لأسرّ؛ أي أسرارهم ونجواهم، وقرأ باقي السبعة: {أَسْرَارَهُمْ} بفتح الهمزة جمع سِر.
وقال ابن كثير: "يخبر تعالى عن خيانتهم وتواطئهم الباطني مع أعداء الله؛ حيث وعدوهم سراً بالطاعة في بعض الأمور كالمعاونة والتخاذل، ففضح الله سرهم وأطلع نبيه على مكرهم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{بَعْضِ الْأَمْرِ}: البعض جزء الشيء، واقتصارهم على "بعض الأمر" حيلة المنافق الجبان؛ ليحافظ على ولائه المزعوم للمسلمين في الظاهر، ويضمن مصالحه مع الأعداء في الباطن.
{إِسْرَارَهُمْ}: الإسرار الإخفاء وكتمان الحديث في النجوى الخاصة.
{سَنُطِيعُكُمْ}: السين للاستقبال والتوكيد، نطيعكم فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر والكاف مفعول به والميم للجمع، والجملة مقول القول.
{فِي بَعْضِ الْأَمْرِ}: متعلقان بنطيعكم.
{وَاللَّهُ يَعْلَمُ}: الواو حالية أو استئنافية، مبتدأ وخبر.
{إِسْرَارَهُمْ}: مفعول به ليعلم منصوب بالفتحة، والهاء مضاف إليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص الشريف يربط السلوك النفسي الداخلي (الردة والتسويل) بالفعل السياسي والميداني على الأرض: التحالف السري مع أعداء الأمة.
وصف الحلفاء بـ {الَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ} يكشف الرابطة الخبيثة التي تجمع قوى الباطل على اختلاف مشاربها: البغض المشترك لشريعة الإسلام والتنزيل الإلهي؛ فيتحد المنافق واليهودي والمشرك على هذا الهدف المشؤوم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التبرير البراغماتي للتحالفات السرية والتنازل عن ثوابت الدين:
المحاكمة والتحقيق الشرعي: تحذر الآية من منزلق "سنطيعكم في بعض الأمر"؛ فالتنازل عن ثوابت الشرع وموالاة أعداء الدين من أجل مكاسب تكتيكية أو خوفاً من الدوائر خيانة كبرى للأمة والملة، تفضي بصاحبها إلى الردة وإحباط العمل.
ومحاولة إخفاء هذه المؤامرات عبث مفضوح؛ لأن الله محيط بالسرائر: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ}.
التعبير بالتبعيض الخبيث {فِي بَعْضِ الْأَمْرِ}: يصور مسلك النفاق الحربائي؛ فهو لا يعلن عداءً صريحاً تاماً للإسلام لئلا يُطرد، ولا يرفض التعاون مع العدو لئلا يُعزل، فيلعب على الحبلين محاولاً إمساك العصا من المنتصف.
التذييل بـ {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ}: تهديد صاعق يسقط كل سرية واستخبارات باطلة؛ فما فائدة التخفي في الغرف المغلقة والله حاضر شهيد ينسف كيدهم بآية تتلى في المحاريب؟!
اللمحة التدبرية: كل خطة تدبر في الظلام ضد دين الله وأوليائه سيفضحها الله ويبطلها، والمؤمن لا يخشى مكر الماكرين لأن معه الإله العليم بذات الصدور.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والسياسي: الحذر من الاختراق الداخلي، وتفقد الصفوف، واليقظة تجاه دعاة التطبيع والتنازل والتحالفات المشبوهة مع المعتدين.
الأثر العملي والوجداني: مراقبة الله في السر والعلانية، وتطهير النفس من داء المداهنة على حساب الدين، والاعتزاز بالانتماء لراية الإسلام وحدها.