قوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ}، إنكار إلهي وتحدٍّ معلن لأوهام المنافقين الذين ظنوا أن نفاقهم وحقدهم الدفين على الإسلام وأهله سيظل مستوراً إلى الأبد.
قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ١٢٠)جامع البيانالطبري٢١/١٢٠: "يقول تعالى ذكره: أم ظن هؤلاء المنافقون الذين في قلوبهم شك في دين الله وعداوة لرسوله وللمؤمنين، أن لن يظهر الله للمؤمنين أحقادهم وغشهم وما في صدورهم من الضغن والعداوة؟! بل سيظهر الله ذلك ويبديه حتى يعرفهم المؤمنون بأعيانهم ومقالهم".
ونقل ابن كثير عن قتادة وابن زيد: "الأضغان هي الأحقاد؛ أي أحقادهم على الإسلام وأهله، وظنوا أنهم يستطيعون إخفاءها في صدورهم، فأخبر الله أنه سيفضحهم ويبدي سرائرهم ليراها الناس عياناً".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{أَمْ}: منقطعة تفيد الإضراب الانتقالي والإنكار؛ أي بل أحسبوا.
{حَسِبَ}: ظن وحسباناً وتوهماً باطلاً.
{مَّرَضٌ}: النفاق والشك والعداوة الدفينة.
{أَضْغَانَهُمْ}: جمع ضِغْن، والضغن هو الحقد الشديد الكامن في النفس الممتلئ حسداً وبغضاً وتربصاً بالسوء.
{أَن}: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف تقديره "أنه".
{لَّن يُخْرِجَ}: لن ناصبة، يخرج مضارع منصوب بالفتحة.
{اللَّهُ}: فاعل مرفوع بالضمة.
{أَضْغَانَهُمْ}: مفعول به منصوب، والهاء مضاف إليه، وجملة لن يخرج الله أضغانهم في محل رفع خبر أن المخففة، وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي حسب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص الشريف يمثل إعلاناً إلهياً بانتهاء مرحلة الستر والتمويه للمنافقين؛ فبعد أن فضح تحالفاتهم وضرب وجوههم عند الموت، واجههم هنا بحقيقة عجزهم عن إخفاء أحقادهم في مجتمع المدينة: ستبدو أضغانكم على ألسنتكم وفي ملامح وجوهكم ولن تملكوا لها كتماناً.
التعبير بـ {يُخْرِجَ} استعارة تدل على إخراج الشيء الكامن المطمور في قعر البئر المظلمة إلى فضاء النور الساطع ليشاهده الجميع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة قدرة الماكرين على إخفاء الحقد والبقاء في ثياب الصداقة:
المحاكمة النفسية والسننية: مهما أوتي المنافق من دهاء وتلون وحذر، فإن الحقد الدفين يفيض قهراً من فلتات لسانه وقسمات وجهه وتصرفاته في مواقف الأزمات؛ كما قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: "ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه".
والله تعالى هو العليم بالسر وأخفى، وقد قضت حكمته ألا يترك الصف المؤمن عرضة لغدر المنافقين، بل يبتليهم بالمحن والمواقف الكاشفة حتى تخرج أضغانهم ويتميز الصف تمايزاً تاماً.