قوله تعالى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}، كشف للعلة الباطنة والجريرة العظمى التي استوجبت تعسهم وإحباط كل أعمالهم، وهي "كراهية الوحي والتنزيل الإلهي".
قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٨٧)جامع البيانالطبري٢١/٨٧: "يقول تعالى ذكره: هذا التعس وإضلال الأعمال الذي أوقعناه بهؤلاء الكفار، سببه أنهم كرهوا ما أنزل الله من القرآن وشرائع الإسلام وأحكام الجهاد على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فأحبط الله أعمالهم؛ أي أبطل ثواب ما عملوا من بر وإحسان في دنياهم فلم ينفعهم منه شيء في أخراهم".
وذكر ابن كثير: "أي كرهوا ما نزل من الحق والهدى والفرائض فأعرضوا عنه وتثاقلوا، فكان جزاؤهم إحباط أعمالهم بالكلية؛ لأن العمل لا يقبل مع كراهية شرع الله وبغضه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{كَرِهُوا}: الكراهية ضد الرضا والمحبة، وهو نفور القلب واستثقال الأمر وبغضه.
{فَأَحْبَطَ}: الإحباط الإبطال التام والإفساد والمحو، مأخوذ من حَبِطَت الدابة إذا أكلت نبت الحَبَط فانتفخ بطنها حتى تهلك.
التوجيه الإعرابي:
{ذَٰلِكَ}: مبتدأ.
{بِأَنَّهُمْ}: الباء سببية، أن واسمها.
{كَرِهُوا}: فعل وفاعل وجملة كرهوا خبر أن.
{مَا أَنزَلَ اللَّهُ}: (ما) اسم موصول مفعول به لكرهوا، وجملة أنزل الله صلتها، والمصدر المؤول مجرور بالباء متعلق بخبر المبتدأ المحذوف.
{أَعْمَالَهُمْ}: مفعول به ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة كرهوا.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص ينفذ كالمبضع إلى أعماق النفس البشرية؛ ليبين أن علة الكفر ليست مجرد شبهة عقلية غامضة، بل هي مرض نفسي قلبي: كراهية الوحي وكراهية قيود الشرع وتكاليفه وأوامره.
الترتيب السببي الفوري بالفاء: {كَرِهُوا... فَأَحْبَطَ}؛ إشعار بأن مجرد كراهية ما أنزل الله سبب كافٍ وفوري لإحباط العمل ومحق بركته بالكلية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة خطورة كراهية بعض الأحكام الشرعية (المسألة الفقهية والعقدية الكبرى):
التحقيق العقدي عند أهل السنة والجماعة: من كره ما أنزل الله من أصل الدين أو القرآن أو الفرائع المعلومة من الدين بالضرورة (كالصلاة، أو الزكاة، أو الحجاب، أو الحدود، أو أحكام الجهاد والقصاص) وبغضه واستثقله اعتراضاً على حكمة الله وشرعه، فقد كفر وحبط عمله بإجماع المسلمين استناداً لصريح هذه الآية: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}.
أما الكراهية الجبلية الطبيعية لمشقة التكليف البدني (ككراهية ألم الجراح في القتال، أو مشقة الصيام في الحر الشديد) مع الرضا التام بحكم الله وشرعه والتسليم لأمره، فهذا لا يقدح في الإيمان، كما قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ}؛ فالفرق شاسع بين كره المشقة البدنية وبين كره الشرع والحكم الإلهي.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي: تربية القلوب على محبة الشريعة والفرح بأحكامها، والحذر والتحذير من إطلاق عبارات التذمر أو الاعتراض على شيء مما شرعه الله تعالى.
الأثر العملي والوجداني: دوام مراجعة النفس وسؤال الله الرضا بقضائه وشرعه، والترديد الصادق: "رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً".