قوله تعالى: {سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ}، وعد إلهي موصول للشهداء والمجاهدين في سبيل الله، يفيض عليهم بالهداية وصلاح الشأن في عالم البرزخ والآخرة.
قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٨٣)جامع البيانالطبري٢١/٨٣: "يقول تعالى ذكره: سيهدي هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله إلى منازلهم في الجنة وطرق الكرامة، ويصلح شأنهم وحالهم وأمرهم في معادهم عند ربهم، فلا يعتريهم خوف ولا حزن".
ونقل ابن كثير عن قتادة: "سيهديهم في الآخرة إلى الجنة، وقيل سيهديهم في الدنيا بالثبات على الحق، ويصلح بالهم في البرزخ والقيامة بحسن الثواب ورضوان الله الأكبر".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{سَيَهْدِيهِمْ}: السين للاستقبال وتأكيد الوقوع، والهداية هنا الدلالة والإيصال إلى منازل الكرامة ومستقر الرحمة.
{يُصْلِحُ}: الإصلاح جعل الشيء صالحاً نقياً نافعاً مزالاً عنه كل كدر أو نقص.
{بَالَهُمْ}: حالهم وشأنهم ونفوسهم في مقام القرب من الله.
التوجيه الإعرابي:
{سَيَهْدِيهِمْ}: السين حرف استقبال وتوكيد، يهدي فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله، والهاء مفعول به والميم للجمع.
{وَيُصْلِحُ}: معطوف على يهديهم مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص الشريف يكمل الوعد المتقدم في الآية السابقة: {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ}؛ فبعد نفي الإضلال جاء الإثبات الإيجابي المضاعف: الهداية العظمى وإصلاح البال التام.
تكرار عبارة {وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ} مرتين في مطلع السورة: الأولى لعموم المؤمنين الأحياء في الدنيا: {كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ}، والثانية لخصوص الشهداء والمجاهدين: {سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ}؛ إشارة إلى أن بركة الإيمان والجهاد تثمر صلاح البال في الحياة البرزخية والأخروية كما أثمرته في الدنيا.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يقال في حق من قُتل ومات "سيهديهم" وهو قد فارق دار التكليف؟:
المحاكمة والتحقيق الأصولي: الهداية ليست مقصورة على التكليف في الدنيا؛ بل تتسع لهداية الصراط، وهداية العبور إلى الجنان، ومعرفة منازل النعيم في الآخرة، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}.
والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون بنص القرآن، فهم في هداية متجددة مستمرة إلى مزيد من الفضل والأنوار والكرامات في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
دلالة السين في {سَيَهْدِيهِمْ}: تفيد الوعد المنجز الحتمي الذي لا يتخلف؛ فالشهيد ينتقل فور خروج روحه إلى رياض الهداية والسكينة.
التناغم الإيقاعي والمعنوي: التوافق التام بين نقاء عملهم بالبذل وبين نقاء جزائهم بالهداية وصلاح البال.
اللمحة التدبرية الإشارية: أقدام الشهداء وإن تقطعت في المعارك وأجسادهم وإن تمزقت، فإن أرواحهم تعيش في أعلى درجات صلاح البال والراحة الأبدية في حواصل طير خضر تسرح في رياض الجنة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ترغيب الأمة في التضحية والفداء، وتسكين لوعة ذوي الشهداء باليقين بأن فقيدهم في أسعد حال وأصلح بال عند رب العالمين.
الأثر العملي والوجداني: بذل المهج في مرضاة الله طمعاً في هذا الوعد الرباني الكريم بالهداية وصلاح البال الدائم.