قوله تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ}، افتتاح إلهي قاطع يحدد ميزان الخسران الأبدي لمن جمع بين جحود الحق في نفسه، والصد والعدوان لمنع غيره من سلوك سبيل الله.
روى ابن جرير الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٧٢)جامع البيانالطبري٢١/٧٢ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: "نزلت في مشركي قريش ومطعمي يوم بدر؛ وهم اثنا عشر رجلاً من كبراء مكة كأبي جهل، وعتبة، وشيبة، وأبي سفيان، والنضر بن الحارث، وأمية بن خلف، كانوا يطعمون الناس ليصدوهم عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، فأضل الله أعمالهم؛ أي أبطل كدهم وسعيهم وجعل نفقاتهم حسرة عليهم ولم يثبهم عليها شيئاً، وأهلكهم يوم بدر".
وقال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، مجلد ٧، صفحة ٢٧٨)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٢٧٨: "أي جحدوا آيات الله وصدوا أنفسهم وغيرهم عن اتباع دين الله ورسله، فأضل أعمالهم؛ أي أحبطها وأذهبها وأبطلها، وجعلها هباءً منثوراً، فلا ثواب لها في الآخرة ولا نصرة لها في الدنيا".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{صَدُّوا}: الصد يأتي لازماً بمعنى أعرض وتنحى، ومتعدياً بمعنى منع وصرف وحبس غيره عن الشيء، وكلا المعنيين مراد هنا.
{سَبِيلِ اللَّهِ}: السبيل الطريق الواسع المسلوك، والمراد به دين الإسلام والقرآن وطريق الهداية.
{أَضَلَّ}: الإضلال هنا التضييع والإحباط والهلاك وجعل الشيء تائهاً ضائعاً لا أثر له نافع.
التوجيه الإعرابي:
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
{كَفَرُوا}: فعل ماض والواو فاعل، وجملة كفروا صلة الموصول لا محل لها.
{وَصَدُّوا}: معطوف على كفروا داخل في حيز الصلة.
{عَن سَبِيلِ اللَّهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بصدوا.
{أَضَلَّ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى.
{أَعْمَالَهُمْ}: مفعول به منصوب بالفتحة، والهاء مضاف إليه والميم للجمع، وجملة أضل أعمالهم في محل رفع خبر المبتدأ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الاستهلال المباغت المبتدئ بالاسم الموصول {الَّذِينَ كَفَرُوا} يقرع الأسماع بجرس حاسم؛ كأنه إعلان مرسوم إلهي فوري بسقوط كل جهود معسكر الباطل وإحباط كيدهم.
التناسب البديع مع ختام سورة الأحقاف: لما ختمت الأحقاف بـ {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ}، افتتحت سورة محمد ببيان صورة هذا الهلاك المعنوي والمادي: إضلال الأعمال وإحباطها، ليعلم كل طاغية أن كيده في تباب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة ما يقدمه الكفار من أعمال خيرية وإنسانية في الدنيا: زعم المعترضون: كيف تُضل أعمال الكفار وهم قد يبنون المشافي ويطعمون الجياع وينفقون أموالهم في الإحسان؟!
المحاكمة العقلية والشرعية لإبطال الشبهة:
افتقار العمل إلى ركن القبول الأعظم (الإخلاص والإيمان بالخالق): العمل الصالح كالبناء المرتفع، والإيمان بالتوحيد هو قاعدته وأساسه، فإذا انعدم الأساس انهار البناء كله.
الصد عن سبيل الله مفسدة كبرى تهدم كرامة الإنسان وتصده عن غاية وجوده، فكيف يطلب مكافأة على أعمال فرعية من أنكر أصل النعمة وحارب المنعم سبحانه؟!
إن عُجل لهم نفع أعمالهم في الدنيا بصحة وذكر وشهرة، فقد استوفوا جزاءهم كما قرر القرآن في آية الأحقاف: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا}، ولا حق لهم في الآخرة.
البراعة في التعبير بالإضلال {أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ}: استعارة تمثيلية بارعة؛ شبه أعمالهم بركب تاه في مفازة مظلمة مهلكة لا دليل فيها ولا ماء، فباد وهلك ولم يصل إلى غايته المرجوة.
إسناد الإضلال إلى الله سبحانه: إشعار بعزة القضاء الإلهي، وأن خسرانهم ليس مصادفة بل هو قضاء محكم مجازاة لعدوانهم وصدّهم.
اللمحة التدبرية: يا لحسرة من يتعب ويكد وينفق، ثم يرى عمله هباءً منثوراً يوم القيامة! لا نجاة لعمل إلا إذا كان خالصاً لله، صواباً على هدي رسوله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: كشف زيف مشاريع الباطل وبريقها الخادع؛ فطريق المعاندين مهما بدا قوياً أو منظماً فهو محكوم عليه بالإحباط والضلال الإلهي.
الأثر العملي والوجداني: تطهير النيات من شوائب الشرك والرياء، ولزوم الافتقار إلى الله في طلب قبول الأعمال وحفظها من الإحباط.