قوله تعالى: {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ}، حكم إلهي مبرم بالطرد من رحمة الله وحرمان منافذ الوعي والإدراك لمن سلك مسلك الإفساد في الأرض وقطيعة الأرحام.
قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ١١٤)جامع البيانالطبري٢١/١١٤: "يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين يفعلون هذا: يفسدون في الأرض ويقطعون أرحامهم، هم الذين أبعدهم الله وأقصاهم من رحمته، فلعنهم، فأصم آذانهم عن استماع الحق وتدبره، وأعمى أبصارهم عن رؤية حجج الله والاعتبار بآياته".
وقال ابن كثير: "وهذا وعيد شديد لمن أفسد في الأرض وقطع رحمه؛ فإن الله يعاقبه بالحرمان والطرد والإصمام عن سماع الهدى، والعمى عن رؤية الرشاد؛ فلا ينتفع بموعظة ولا يستنير بحجة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{لَعَنَهُمُ}: اللعن في اللغة الطرد والإبعاد وسقوط الحرمة من رحمة الله وفضله.
{فَأَصَمَّهُمْ}: الأصم هو الذي لا يسمع، وإصمامه جعله غير قابل لسماع الهدى والانتفاع به.
{أَعْمَىٰ}: سلب البصر والبصيرة معاً.
التوجيه الإعرابي:
{أُولَٰئِكَ}: اسم إشارة مبتدأ، والكاف للخطاب.
{الَّذِينَ}: اسم موصول في محل رفع خبر المبتدأ.
{لَعَنَهُمُ اللَّهُ}: فعل ومفعول وفاعل، والجملة صلة الموصول.
{فَأَصَمَّهُمْ}: الفاء عاطفة للترتيب والتعقيب، أصم فعل ماض فاعله مستتر والهاء مفعول به والميم للجمع.
{وَأَعْمَىٰ}: معطوف على أصم.
{أَبْصَارَهُمْ}: مفعول به منصوب بالفتحة، وهم مضاف إليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الحكم هو الجزاء الوفاق للجريرة السابقة في الآية (٢٢)؛ فمن كانت غايته الإفساد في الأرض وقطيعة أرحامه استحق لعنة الله العظمى، وعوقب بتعطيل منافذ التلقي: صمم الآذان وعمى الأبصار.
الفاء في {فَأَصَمَّهُمْ} تفيد أن الصمم والعمى المعنوي عقوبة حتمية مباشرة مترتبة على اللعنة؛ فالمطرود من رحمة الله يُحرم نور الوحي ويهيم في ظلمات الضلال.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل الصمم والعمى هنا حسي أم معنوي؟:
المحاكمة والبيان: حواسهم الجسدية قد تكون سليمة يبصرون بها الطرقات ويسمعون بها الأصوات؛ ولكن لما تعطلت وظيفتها الكبرى وهي الاستجابة للحق والتدبر والانتفاع بالآيات، سلبها الله وصف الانتفاع وحكم عليها بالصمم والعمى التام، كما قال تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.
وهذا أبلغ في الذم؛ إذ الحجة عليهم قائمة بسلامة آلاتهم الجسدية، وجنايتهم ثابتة بتعطيل وظيفتها الإيمانية.
اسم الإشارة {أُولَٰئِكَ} للبعد والتحقير: لإبراز سقوط مكانتهم وبعدهم الشاسع عن ساحات الرحمة والقبول.
التناسق والجمع بين حاستي السمع والبصر: لأنهما أعظم بوابات المعرفة الإنسانية التي يتلقى بها الإنسان كلام الله ويبصر بها صنعه في الآفاق؛ فإذا أصيبتا باللعنة انغلقت أبواب النجاة بالكلية.
اللمحة التدبرية: قطيعة الرحم من أعظم الذنوب التي تعجل عقوبتها في الدنيا قبل الآخرة؛ فمن عق والديه أو قطع رحمه أظلمت بصيرته وضاق صدره وحل به الشؤم والخذلان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: التحذير من خطورة الذنوب والمعاصي التي تجلب لعنة الله وتورث قسوة القلوب والعمى عن الحق.
الأثر العملي والوجداني: الحفاظ على يقظة السمع والبصر بتوظيفهما في طاعة الله، وسؤال الله العافية من كل سبب يوجب سخطه ولعنته.