قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ}، مفاصلة وجودية وأخلاقية ومصيرية بين سمو الحياة الإيمانية وأفقها الأخروي، وبين هبوط الحياة الكفرية إلى الدرك الحيواني البهيمي.
قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٩٠)جامع البيانالطبري٢١/٩٠: "يقول تعالى ذكره: إن الله يدخل الذين صدقوا بوحدانيته وعملوا الصالحات جنات بساتين تجري من تحت أشجارها وقصورها الأنهار، والذين جحدوا توحيد الله يتمتعون في دنياهم الفانية بلذاتها وشهواتها، ويأكلون فيها كما تأكل البهائم والأنعام السائمة؛ ليس لهم همة إلا بطونهم وفروجهم، لا يفكرون في معاد ولا يرجون ثواباً ولا يخافون عقاباً، والنار مثوى لهم؛ أي مستقرهم ومأواهم ومصيرهم الدائم".
ونقل ابن كثير عن الحسن البصري: "المؤمن في الدنيا كالغريب، همه التزود للآخرة، والمنافق والكافر لا هم له إلا الأكل والشرب والتمتع البهيمي حتى يفجأه الموت فيرد النار".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{يَتَمَتَّعُونَ}: التمتع الانتفاع بالشيء مدة يسيرة زائلة ثم ينقطع ويزول.
{الْأَنْعَامُ}: جمع نَعَم، وهي الإبل والبقر والغنم؛ وتضرب بها الأمثال في قصر الهمة على العلف والشبع والشهوة المجردة دون عقل واعٍ.
{مَثْوًى}: موضع الثواء والاستقرار والإقامة الدائمة التي لا تحول عنها.
التوجيه الإعرابي:
{إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ}: إن واسمها، وجملة يدخل خبرها، وفاعله مستتر.
{الَّذِينَ آمَنُوا}: مفعول به أول وصلته، وعملوا الصالحات معطوف.
{جَنَّاتٍ}: مفعول به ثان منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم.
{تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}: جملة فعلية في محل نصب نعت لجنات.
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا}: استئنافية أو عاطفة للمقابلة، مبتدأ وصلته.
{يَتَمَتَّعُونَ}: خبر المبتدأ، والواو فاعل.
{وَيَأْكُلُونَ}: معطوف عليه.
{كَمَا}: الكاف حرف تشبيه وجر، و(ما) مصدرية، وتأكل فعل والأنعام فاعل، والمصدر المؤول في محل جر متعلق بمحذوف نعت لمصدر محذوف؛ أي أكلاً كأكل الأنعام.
{وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ}: مبتدأ وخبر وجار ومجرور، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان أو حالية مقررة لمصيرهم البائس.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص يرسم المقابلة الحية بين أسلوبين في الحياة وثمرتيهما:
الأسلوب الأول: الإيمان والعمل الصالح والبصيرة؛ وثمرته جنات الخلود والأنهار الجارية.
الأسلوب الثاني: المادية الصرفة والغرائزية البهيمية وإلغاء العقل والرسالة؛ وثمرته التمتع العارض الخسيس ثم النار وبئس المصير.
التعبير عن مستقرهم بـ {مَثْوًى} يدل على الخلود والثبات في العذاب، في مقابلة زوال متع الدنيا السريعة التي عبر عنها بـ {يَتَمَتَّعُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الفلسفة النفعية المادية المعاصرة (اعتبار الاستهلاك والتمتع غاية الوجود):
المحاكمة العقلية والقرآنية: تشبه الآية النزعة الاستهلاكية المحضة بأكل الأنعام؛ فالبهيمة تأكل وتسمن وهي لا تدري أنها تساق إلى الذبح، فكذلك الكافر المستغرق في الملاذ الدنيوية المعرض عن ربه والآخرة يسمن نفسه للخلود في الجحيم.
تكريم الإنسان بالعقل والروح يقتضي أن تكون له غاية عليا أسمى من علف البطون وشهوات الفروج، فإذا عطل روحه وعقله ارتد إلى درك الأنعام بل كان أضل سبيلاً.
التشبيه التمثيلي البديع {كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ}: تصوير حركي مقبّح لنفوس أهل الكفر؛ يرسمهم في صورة قطيع من الماشية السائمة في مرتع خبيث، لا ترفع رأسها إلى السماء ولا تعي ما يراد بها، حتى تؤخذ على غرة.
التنكير في قوله {مَثْوًى}: للتهويل والتعظيم لبشاعة ذلك المستقر الناري الذي لا خلاص منه.
اللمحة التدبرية: متعة الدنيا بلا إيمان استدراج وإعداد للعذاب، والتمتع الحقيقي إنما هو بطاعة الله وذكره والأنس به، والاستعداد للقاء دار النعيم المعرفة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: مخاطبة أسرى الحضارة المادية الزائفة بتذكيرهم بغاية الوجود الإنساني وإيقاظ إنسانيتهم وأرواحهم من التبلد البهيمي.
الأثر العملي والوجداني: ترشيد الشهوات وضبط الاستهلاك بالميزان الشرعي، وألا يجعل المؤمن همّه في ملذات الدنيا، بل يستعمل المباحات عوناً على بلوغ جنات النعيم.