قوله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}، الصيحة الربانية الكبرى والاستفهام التوبيخي الإنكاري الذي يهز وجدان كل قارئ وسامع، داعياً إلى تفكيك أقفال القلوب بالتدبر الواعي لآيات التنزيل.
قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ١١٥)جامع البيانالطبري٢١/١١٥: "يقول تعالى ذكره: أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون مواعظ الله في آيات القرآن وحججه التي بينها في كتابه فيعتبروا وينزجروا عن كفرهم ونفاقهم؟! أم على قلوب هؤلاء أقفالها التي أغلقت بها فلا يصل إليها نور الهدى ولا ينفذ إليها برهان التنزيل؟!".
وروى ابن أبي حاتم والآجري عن أبي برزة الأسلمي وعن غيره من السلف: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ يوماً هذه الآية: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}، فقال شاب من أهل اليمن: بل على قلوب أقفالها حتى يفتحها الله عز وجل أو يفكها، فاستحسن ذلك منه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وظل يذكره".
وقال ابن كثير: "يقول تعالى آمراً بتدبر القرآن وتفهمه، ناهياً عن الإعراض عنه: أفلا يتفكرون في كتاب الله ويتأملون ما فيه من الحكم والأسرار؟! بل على قلوب هؤلاء مغاليقها وأقفالها التي ركبت عليها فلا يفقهون منه شيئاً".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{يَتَدَبَّرُونَ}: التدبر من دُبُر الشيء وهو آخره وعاقبته، وتدبر الكلام النظر في مآلاته وأعماقه وأسراره وفهم غاياته، والتفعل يدل على بذل الجهد وملازمة التأمل.
{أَمْ}: منقطعة بمعنى بل والهمزة للإضراب الانتقالي والاستفهام الإنكاري.
{أَقْفَالُهَا}: جمع قُفْل، وهو ما يغلق به الباب ونحوه من حديد وخشب، والمراد هنا موانع الإدراك والغفلة والرين المحكم على القلب.
{يَتَدَبَّرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
{الْقُرْآنَ}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{أَمْ}: منقطعة بمعنى بل وإضراب.
{عَلَىٰ قُلُوبٍ}: جار ومجرور خبر مقدم، ونكرت القلوب للتنكير أو لقصد قلوب معينة لهؤلاء المنافقين.
{أَقْفَالُهَا}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة، والهاء مضاف إليه تعود على القلوب، وتقديم الخبر واجب لاتصال المبتدأ بضمير يعود على جزء من الخبر، والجملة مستأنفة في حيز الإضراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص هو مفتاح النجاة وميزان الشفاء الإلهي؛ فبعد أن بين الله عواقب الصمم والعمى والإفساد والنفاق، وضع يده الشافية على مكمن الداء وموضع الدواء:
الداء: وجود أقفال ورين يغلق القلوب عن استقبال الحق.
الدواء: تدبر القرآن الكريم وتأمل آياته وبراهينه؛ فالقرآن هو الفاتح الأوحد لتلك الأقفال إن أقبل العبد عليه بالصدق والتجرد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة صعوبة التدبر وقصره على كبار المجتهدين:
المحاكمة والتحقيق الأصولي: الخطاب في الآية عام موجه للناس جميعاً، بل وبخ الله به المنافقين والمشركين الذين لا حظ لهم في علوم الشريعة؛ مما يبرهن على أن التدبر الأولي لمعاني القرآن وهداياته ومواعظه ميسر لكل مكلف يفهم لغة العرب، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}.
والواجب على كل مسلم أن يتدبر ما يقرأه من كتاب ربه، فيفهم أمره ونهيه ووعده ووعيده ويستشعر أثر الآيات في سلوكه وقلبه، أما دقائق الاستنباط الفقهي واللغوي الدقيق فذلك شأن الراسخين في العلم.
الاستعارة التمثيلية الباهرة في {أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}: شبه القلوب المقفلة عن الهدى ببيوت مغلقة بأقفال متينة لا يدخلها نور ولا هواء، بل أضاف الأقفال إلى القلوب فقال: {أَقْفَالُهَا}؛ للدلالة على أنها أقفال مخصوصة مفصلة على تلك القلوب ناشئة من أمراضها وهواها وكبرها، فلا يفتحها إلا مفتاح الوحي.
التنكير في {قُلُوبٍ}: للتنكير والتحقير؛ أي على قلوب منكرة قاسية كالحجارة.
اللمحة التدبرية العظمى: القرآن رسالة من الله لكل عبد، وتلاوته بهذرمة وسرعة دون تفهم وتأمل كمن يتلقى رسالة من ملك فينشغل بعدّ حروفها وتنسيق أسطرها دون أن يفتحها ليعرف ماذا يأمره وماذا ينهاه!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي: إحياء حركة التدبر في الأمة؛ في المساجد، والمدارس، والبيوت، وربط المسلمين بهدايات القرآن العملية والروحية.
الأثر العملي والوجداني: الوقوف عند كل آية، وترديدها، والتأثر بمعانيها، وسؤال الله عند آيات الرحمة والتعوذ عند آيات العذاب، والاجتهاد الدائم في كسر أقفال القلوب بنور الوحي والاستغفار.