قوله تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ}، مسك ختام السورة العظيمة وخاتمة أسرة "الحواميم السبع" المباركة كلها، بأمر إلهي جليل لسيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم بالصبر والثبات وترك الاستعجال، وبيان سرعة فناء عمر الدنيا واستحقاق الفاسقين للهلاك.
روى الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٦٨-٧١)جامع البيانالطبري٢١/٦٨ بإسناده عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والحسن: "أولو العزم من الرسل هم أهل الصبر والجد والاجتهاد في أمر الله، وهم سادة الأنبياء: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم، وهم المذكورون في سورة الأحزاب: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ}، وفي سورة الشورى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ}".
وقيل: كل الرسل أولو عزم، واللفظ للتبعيض أو للبيان؛ ولكن المشهور المنصور عند جماهير الأمة والمحققين أنهم الخمسة المذكورون أصحاب الشرائع الكبرى.
وقوله: {لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ}: أي إذا عاينوا أهوال يوم القيامة صغرت الدنيا في عيونهم حتى كأن كل ما عاشوه فيها من قرون وأعمار لم يكن إلا جزءاً يسيراً من نهار.
وقوله: {بَلَاغٌ}: أي هذا القرآن بلاغ وكفاية وموعظة بالغة، {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ}: استفهام نفي وإنصاف؛ أي لا يهلك بعذاب الله ونقمته إلا من تمرد وفسق وخرج عن طاعة ربه وأصر على الكفر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{أُولُو الْعَزْمِ}: أولو جمع ذو بمعنى أصحاب، والعزم هو عقد القلب وتصميمه الصارم على إمضاء الأمر وتحمل المشاق والابتلاءات في سبيل الله.
{سَاعَةً}: مقدار يسير من الزمان أو الساعة الفلكية المعروفة.
{بَلَاغٌ}: كفاية وتبليغ وإيصال لما تقوم به الحجة وتستنير به البصيرة.
{الْفَاسِقُونَ}: الخارجون عن طاعة الله المتمردون على شريعته.
التوجيه الإعرابي:
{فَاصْبِرْ}: الفاء فصيحة واقعة في جواب شرط مقدر؛ أي إذا علمت مصارع المكذبين وقدرة ربك فاصبر، اصبر فعل أمر وفاعله مستتر.
{كَمَا}: الكاف حرف تشبيه وجر، و(ما) مصدرية، وصبر فعل ماض، والمصدر المؤول في محل جر متعلق بمحذوف نعت لمصدر محذوف تقديره "صبراً كصبر أولي العزم".
{أُولُو}: فاعل صبر مرفوع بالواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وهو مضاف.
{الْعَزْمِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{مِنَ الرُّسُلِ}: جار ومجرور في موضع البيان أو التبعيض متعلقان بمحذوف حال.
{فَهَلْ}: الفاء استئنافية، (هل) حرف استفهام إنكاري متضمن معنى النفي القاطع.
{يُهْلَكُ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة.
{إِلَّا}: أداة حصر.
{الْقَوْمُ}: نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الْفَاسِقُونَ}: نعت مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع هذا الختام القرآني المحكم لسورة الأحقاف وسائر الحواميم السبع! بعد أن استعرضت الحواميم صراع الحق والباطل، وحجج الوحي، ومصارع الطغاة، وبراهين القدرة؛ توج هذا الموكب الرباني بأمر خاتم المرسلين بالصبر الجميل والاقتداء بكبار الرسل أولي العزم.
النهي عن الاستعجال {وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ} معللاً بتقاصر عمر الدنيا وسرعة زوالها: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ}؛ فكل ما يمر به الداعية من أذى إنما هو في وقت قصير يمر كلمح البصر، ليعقبه الخلود في الجنة وخزي الكافرين في النار.
كلمة الفصل الخاتمة {بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ}؛ تلخص غاية التنزيل: تمت الرسالة، وبلغ البيان كماله، وثبت عدل الله، فالعذاب لا يحيق إلا بمن تمرد وفسق باختياره وعناده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استعجال النصر والظفر في ميدان الدعوة:
المحاكمة النبوية والقرآنية: النصر الإلهي له سنن وآجال مضروبة لا تتخلف، والاستعجال البشري قد يفسد حكمة الابتلاء وبناء النفوس وتمايز الصفوف؛ لذلك نهى الله نبيه عن استعجال العذاب لهم، وأمره بالصبر كصبر أولي العزم الذين خاضوا المحن لعقود وقرون دون تراجع أو ملل.
الدنيا كلها لا تعدل ساعة في حساب الأبد؛ فمن أدرك قصر الأجل وصغر الدنيا هانت في عينه المشاق، وتطلع إلى رضوان الله الدائم.
التشبيه التمثيلي الباهر في تقاصر الزمن: {كَأَنَّهُمْ... لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ}؛ يقلص تاريخ البشرية ومتاع العمر الحافل في لحظة عابرة وساعة خاطفة، في مشهد بليغ يهدم كل صروح التعلق بالدنيا.
الإيجاز الإعجازي بكلمة {بَلَاغٌ}: كلمة واحدة مفردة مشحونة بالقوة والمعنى؛ أي هذا القرآن بلاغ كافٍ موصل إلى كل خير، حجة قائمة على كل مكلف.
الاستفهام الإنكاري المتضمن للعدل المطلق: {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ}؛ فالله لا يهلك أحداً بغير ذنب ولا يظلم مثقال ذرة، وإنما الهلاك محصور ومخصوص بالخارجين عن حد الطاعة والعدل.
اللمحة الإشارية التدبرية: يا لها من خاتمة تعمر القلب بالسكينة والثبات والرجاء! مهما كبرت قوى الباطل وتجبر المستكبرون، فإن البلاغ ماضٍ، وسنن الله قائمة، والصبر هو زاد الطريق، والعاقبة للمتقين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: التزود بزاد الصبر والعزيمة المقتبسة من سير أولي العزم من الرسل؛ فالدعوة طريق طويل يحتاج إلى نفس عميق وتضحيات جسام وثبات لا يتزعزع أمام الابتلاءات.
الأثر العملي والوجداني: الزهد الحقيقي في الدنيا وقصر الأمل؛ فالأعمار قصيرة كساعة من نهار، فلنملأ هذه الساعة بطاعة الله وخدمة دينه وبر الوالدين، ولنحذر الفسق والتمرد لئلا نكون من الهالكين.