عقّبت السورة على الأمر بالبراءة برجاء إلهي: {عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً}؛ فقررت أن العداوة حال طارئة قابلة للزوال لا وصفاً أبدياً لازماً.
نداء الاقتداء بالحواريين في نصرة دين الله وعاقبة الناصرين.
عرض الإيمان والجهاد في صورة صفقة تجارية مربحة، بيان لرأس مالها وثمنها وربحها العاجل والآجل، ثم ختم السورة بنداء الاقتداء بالحواريين في نصرة دين الله حتى يصبح أهل الحق ظاهرين.
ختم السورة بمعالجة ما وقع من انصراف بعض الناس عن الخطبة إلى تجارة قادمة ولهو؛ وتقرير الميزان: {قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ}.
ختمت السورة بنداء المؤمنين ألا تلهيهم أموالهم وأولادهم عن ذكر الله، وبالأمر بالإنفاق قبل حضور الأجل؛ فكان علاج الداء في أصله: تعلق القلب بالمال الذي هو أول ما يفتح باب النفاق.
تحذير من عداوة تصدر من أقرب قريب، مع فتح باب العفو والصفح، وتقرير أن المال والولد فتنة أي ابتلاء يُمتحن به العبد، وأن ما عند الله خير وأبقى.
الاعتبار بالقرى العاتية والتخويف من عاقبة مخالفة الأمر.
{لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا}؛ فالعدة ليست مجرد مهلة انتظار بل فسحة يُرجى فيها عود القلوب.
{قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ}؛ فليست اليمين قيداً أبدياً بل لها مخرج مشروع.
{إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}، ثم بيان أن الله ومَن معه مولاه وناصره.
افتُتحت السورة بحصر الملك في يده سبحانه، وخُتمت بأربع تحدّيات متتابعة تسلب من الخلق ما توهموه من نصرة ورزق وأمنٍ وماء؛ فما بين المطلع والخاتمة تقريرٌ واحد: ليس بيد أحد سواه شيء.
الاستثناء {إِلَّا الْمُصَلِّينَ} يفتح باباً لتسع خصال جامعة بين حق الله وحق العباد وحق النفس: دوام الصلاة، وحق المال المعلوم، والتصديق بيوم الدين، والإشفاق من العذاب، وحفظ الفرج، ورعاية الأمانة والعهد، والقيام بالشهادة، والمحافظة على الصلاة. فبُدئت السلسلة بالصلاة وخُتمت بها؛ إشارة إلى أنها السياج الذي يحوط سائر الخصال.
قُررت الحجة بثلاثة أفعال متعاقبة بالفاء: {خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ}، ثم بجملة رابعة: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ}؛ فالبرهان مأخوذ من ذات المخاطب لا من خارجه؛ إذ لا يحتاج الإنسان في معرفة قدرة خالقه إلى أبعد من نفسه.
خُتمت السورة بـ {وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا}؛ فالله سبحانه لا يستبقي في العقوبة كما يستبقي الملوك خوف عاقبة، لأنه عادل في حكمه لا يُسأل عما يفعل.
{فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ} و{فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ}؛ وهي أدق قواعد السورة وأخطرها؛ ومعناها أن الله يفتح للعبد من الأبواب ما يوافق ما بذل من الأسباب؛ فالمُقبِل يُيسَّر للإقبال، والمدبِر يُخلَّى وإدبارَه؛ وليس في ذلك جبر يرفع التكليف، بل عدل يرتب المسبَّب على السبب.
{فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ}؛ فقيّد الصلي المطلق بالأشقى المكذب المتولي؛ وهو تقييد يفتح باب الرجاء لأهل التوحيد ويسد باب الاتكال على مجرد الدعوى.
{مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ} نفي مزدوج يرفع أمرين معاً: انقطاع الصلة وتركها، وبغض القلب ونفوره؛ فلا التقصير في الفعل ولا الانصراف في الوجدان.
بدأت السورة بشرح الصدر لا بالنصر ولا بالتمكين؛ لأن أعظم ما يُعطاه الداعية سعة صدر تحتمل الأذى وتستوعب الخلق وتقوى على حمل الأمانة؛ وسائر العطايا فرع على هذا الأصل.
{أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ}؛ فالدواء المذكور استحضار يوم لا يبقى فيه مدفون في أرض ولا مكتوم في صدر؛ فمن أيقن به انصرف عن شحه.
افتتحت السورة بفعل «الإلهاء» لا بفعل «الجمع»؛ فالمذموم ليس امتلاك الكثرة بل انصراف القلب بها عما خُلق له. والإلهاء صرف عن مقصود، فمن لم يكن له مقصود لم يتصور في حقه إلهاء؛ ففي اللفظ إثبات ضمني بأن للإنسان غاية عُطّل عنها.
قابل النظم بين «الفيل» وهو أضخم ما يملكون، وبين «طير أبابيل» وحجارة صغار؛ فأُهلك الأعظم بالأصغر؛ ليُعلم أن النصر ليس بالعدة ولا بالعدد.
قال {نَصْرُ اللَّهِ} فأضاف النصر إلى اسمه سبحانه؛ ولم يقل «نصركم» ولا «نصرك»؛ فقُطعت بذلك كل دعوى في نسبة الفتح إلى عدد أو عدة أو تدبير.
بشارة النصر والفتح ودخول الناس في الدين.
لم تذكر السورة غنيمة ولا سلطاناً ولا مدينة؛ بل ذكرت {يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا}؛ فجعلت ثمرة الفتح دخول الناس في الدين لا استيلاء الغالب على المغلوب.
جاء جواب الشرط أمراً بثلاث: التسبيح، والحمد، والاستغفار؛ فلم يُؤمر بإعلان الانتصار ولا بمطالبة الخصم، بل أُمر بما يزيده انكساراً بين يدي ربه.
فهم الراسخون من الصحابة أن تمام النصر علامة انقضاء العمل، وأن المرء إذا أُتم له ما بُعث لأجله فقد قرب انصرافه؛ وهي إشارة تُعلم المؤمن أن يستكثر من الزاد كلما تمت له مرحلة.